Issued by Alnoor University

The Connotations of the Most Beautiful Names of ALLAH in the Holy Qur’an between the Context of Connection and the Context of Opposition.

Document Type : Original Article

Author

Department of Arabic, Faculty of Arts, University of Abuja, P.M.B 117 Abuja FCT, Nigeria

Abstract
Rhetoric has a similar role when producing text, in relation to the elements that it employs to achieve impact. The richer the purposes and objectives, the more precise the connotations and structures, the more enjoyable and beneficial, the more effective and convincing, the more delicious and penetrating, the stronger and more connected, the more eloquent and correct the statement. The research may focus on the various differences between sentences linked by a specific semantic domain, where structures and expressions are presented, in which the recipient notices the connection of each noun to a specific context to achieve structural coherence in phrases and sentences, because the loyalty of the artistic style is for some to take precedence over others. The objectives of addressing this topic encompass several sublime values in the fields of the meaning of the beautiful names of God (Al-Qahir, Al-Qahhar), to be guided to the elegance of enjoyment and the splendor of persuasion, with the power of rhythm, to create in the recipient's memory a bond of brotherhood between the abundance of the mind and the depth of thought in structure and meaning, and the transparency of the heart and the power of influence. Based on this, the importance of this research lies in clarifying meanings according to the consequential and contrastive context. The article's axes include the following points

Keywords

Crossmark

 

 

 

مجلة النور للدراسات الإنسانية

https://jnh.alnoor.edu.iq/

 

 

 

 

 

 

دلالات أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم بين سياق اللحاق وسياق الطباق (القاهر القهَّار نموذجاً)

عمر محمد الأول الإمام

قسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة أبوجا، عاصمة دولة نيجيريا

 

      

 

Article Information

 

المستخلص

 

Article history:

Received: 11 May 2025

Revised: 15 June 2025

Accepted: 5 July 2025

 

للبلاغة دورٌ مماثل عند إنتاج النَّص، وذلك فيما يتصل بالعناصر التي تتبعها من أجل التأثير، بمقدار ثراء الأغراض والمقاصد تكون الدِّقة في الدلالات والتراكيب، وأنَّه ألذ وأنفذ، أمتع وأنفع، أوقع وأقنع، أقوى وأشدّ اتصالًا، أبلغ وأقوم قيلًا. فقد يهتم البحث بالفروق المختلفة بين الجمل التي تربط بمجال دلالي محدّد، حيث يورد تراكيب وتعبيرات، فيلحظ فيها المتلقي ارتباط كل اسم منها بسياق معيَّن لتحصيل التلازم التركيبي في العبارات والجمل، لأنَّ وفاء الأسلوب الفني أن يأخذ بعضه بحجز بعض. ولذا تستوعب أهداف تناول هذا الموضوع عدة قيم جليلة في حقول دلالة اسم الله الحسنى (القاهر، القهَّار)، للاهتداء إلى لباقة الإمتاع، وروعة الإقناع، بقوة الإيقاع، ليخلق في ذاكرة المتلقي عروة التآخي بين غزارة العقل وعمق التفكير مبنى ومعنى، وبين شفافية القلب وقوة التأثير؛ فالقاهر لا يكون إلا واحدًا، والواحد لا يكون إلا قهَّارًا. وتأسيسًا على ذلك تكمن أهمية البحث في توضيح المعاني حسب السياق اللحاقي والطباقي.

الكلمات المفتاحية:الدلالة،السياق،التطابق،اللحاق،جلالة اسم الله؛ القاهر، القهار.

 

Keywords:

Semantic

 Context

 Correspondence

 Continuity

 the majesty of the name of Allah; the Conqueror

 

Corresponding Author

د. عمر محمد الأول الإمام                                           [email protected]   

 

 

 

 

DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i3.a13, ©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University.

This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).

 

               

 

The Connotations of the Most Beautiful Names of ALLAH in the Holy Qur’an between the Context of Connection and the Context of Opposition. (The Conqueror, the Conqueror: As a case study)

  1. M. Al-Imam                

Abstract

Rhetoric has a similar role when producing text, in relation to the elements that it employs to achieve impact. The richer the purposes and objectives, the more precise the connotations and structures, the more enjoyable and beneficial, the more effective and convincing, the more delicious and penetrating, the stronger and more connected, the more eloquent and correct the statement. The research may focus on the various differences between sentences linked by a specific semantic domain, where structures and expressions are presented, in which the recipient notices the connection of each noun to a specific context to achieve structural coherence in phrases and sentences, because the loyalty of the artistic style is for some to take precedence over others. The objectives of addressing this topic encompass several sublime values in the fields of the meaning of the beautiful names of God (Al-Qahir, Al-Qahhar), to be guided to the elegance of enjoyment and the splendor of persuasion, with the power of rhythm, to create in the recipient's memory a bond of brotherhood between the abundance of the mind and the depth of thought in structure and meaning, and the transparency of the heart and the power of influence. Based on this, the importance of this research lies in clarifying meanings according to the consequential and contrastive context. The article's axes include the following points:

 

منهج البحث:

اختار الباحث المناهج الآتية: الاستقرائي والوصفي والتحليلي لتحقيق الغاية البحثية، يسعى نحو تحقيقها في هذا البحث، وخلال ذلك يستطيع تصوير الرباط في النصوص القرآنية المدروسة حسب آفاق تطابق السياق دالًا ومدلولًا، والتحاقه بالأسلوب والفكرة على قواعد ثابتة متراصة تتساوى فيها أنماط المعاني بيانًا وتبيانًا.

أهمية البحث:

تتبع أهمية الدراسة الحالية من أهمية الموضوع وخطورته، الموضوع الذي يتصدى الباحث لدراسته والمتمثل في كشف السرّ البلاغي وتوضيح الحقل الدلالي لبعض مختارات أسماء الله الحسنى. حقيقة يفيد تناول هذا المقال في طابع العمل اللغوي والأدبي عبر خاصيته التي يؤديها، وفي السطور التالية تكمن أهمية البحث في فحوى التحليل والتعليل، دون الاستيعاب وشمول كلّها في هذه العجَّالة، اللهم إلا التمثيل وتوضيح قبسات النماذج ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا:

- تشكيل مهمات اختيار وسائل التعبير لإدراك ما يرمي إليه النَّص القرآني الكريم بخاصة في ظلال أسماء الله الحسنى تطبيقًا للسياق بالتدقيق، والتحاقًا بمقتضى الحال حسب المقال والمقام.

- وجوب مراعاة السياق المقالي والسياق المقامي في فقه الحقل الدلالي لإسمي القاهر والقهار على ضوء النَّص القرآني الكريم.

- توطيد الفكرة الصحيحة والراجحة في سياق إثبات الألوهية المتفردة، يوحي بالإيمان الخالص في أسماء الله الحسنى، بأقوى الحجج لنفي الشكوك، ونبذ الارتياب، حسب خصائص التراكيب.

مشكلة البحث وأسئلته:

   يهتم البحث بكشف الغطاء عن الأسئلة المقترحة لتشكيل ما تقابلها من الأجوبة المناسبة، وذلك بإعداد البيان الكافي للهدف، والوافي للغرض في رحاب فهم كلام الله سبحانه وتعالى حجَّةً وبرهانًا، وبخاصة أسماءه الحسنى حسب السياق الطباقي والسياق اللحاقي بيانًا وتبيانًا. ومن خلال ذلك يفيد الباحث ويضيف بإمعان النظر تجاه أسئلة البحث التالية:

  • هل يحتسب استعمال أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم لمجرد الدعاء لا غير؟

2 -كيف يمكن تحصيل مفهوم معاني دلالات أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم لتغذية العقول، وتصفية القلوب؟

3- ما مدى إدراك المغزى في أسماء الله الحسنى حسب ما جاء من آي الذكر الحكيم، بخاصة اسمي القاهر والقهار في سياق الألوهية والربوبية عبر حقول دلالتها وأسرار البلاغة في توظيفها؟

4 -أين يقابل السياق بمطابقة المقال والمقام في دلالات تراكيب اسمي القهار والقاهر في القرآن الكريم؟

أهداف البحث:

يستهدف البحث لبلوغ المقاصد، وسعى الباحث سعيًا حثيثًا لتحقيق ما يلي من المراد:

1-مدى الإفادة والاستفادة من استعمال أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم في الجوانب المختلفة؛ دينيَّة، وعلميَّة، وبيانيَّة، وأدبيَّة وغيرها.

2-إمكانيات الحصول على مفهوم معاني أسماء الحسنى بحقول دلالاتها وسياقات بلاغتها في القرآن الكريم.

3-إبراز مغزى النَّص البلاغي في زاوية اسمي القاهر القهَّار بما يؤيد الغاية في الأسلوب والفكرة عبر التحاقهما وتطابقهما.

4- تقابل السياق بالتطابق المقالي والمقامي في اسمين الجليلين؛ (القاهر والقهار) حسب توظيفهما في ظلال النَّص القرآني.

حدود البحث:

يستقل هذا البحث بعنوانه ومضمونه معانيَ وأفكارًا، وينهض في أنماطه وأشكاله عرضًا وتحليلًا، حيث يرتكز ويقتصر المقال في مطالبه ومراميه عبر تأويل حقول دلالات نصوص القرآن الكريم حجَّةً وبرهانًا، ولذا يتمثل هذا البحث في صورتين أساسيتين حدودًا، هما:

1 -الحد المكاني: اقتصر البحث واختصرت الدراسة في ظلال النصوص القرآنية الكريم للشواهد المختارة كمصداق حيّ وأنموذج واقعيّ عبر الإطار النظري والتطبيقي معا.

2-الحد الموضوعي: استوى موضوع النقاش استقلالًا في رحاب أسماء الله الحسنى بخاصة اسمي؛ القاهر والقهّار لتوضيح حقول دلالاتهما معنى ومبنى، ولاسيما ما يثبت ويبث في سياق الطباق وسياق اللحاق إعجازًا وإيجازًا.

الدراسات السابقة:

اطلع الباحث على العديدة من الدراسات التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بموضوع البحث الحالي، ومنها ما تلي:

1-إزالة الاشتباه عند بعض الآيات المتشابهات؛ إعداد الدكتور أحمد بن أحمد شرشال، مقالة منشورة في مجلة جامعة السّلطان الشريف عليّ الإسلامية، مجلة سنوية محكّمة، تصدرها جامعة السّلطان الشريف عليّ الإسلامية، بدولة بروناي دار السلام، العدد الرابع 1437ه-2015م.

     استهلّ الباحث مقالته بالحديث عن أنواع الأحكام والتشابه في القرآن الكريم، ثم ركز بحثه على نماذج من الآيات التي فيها تشابه لفظي، قد ينشأ عنه الاشتباه والغلط عند حافظ القرآن الكريم في تلاوته من المحفوظ، وخلص إلى أنَّ هذا النوع من التشابه في الحقيقة ليس تشابهًا في الآيات البيّنات المفصلات، وإنَّما هو تشابه يأتي من قبل الحافظ لما هو موجود من تشابه في ألفاظ بعض آيات القرآن الكريم. ويرى الباحث أنَّه مما يعين على تفادي هذا الاشتباه أثناء التلاوة من المحفوظ زيادة العناية بتحديد فروق المستخلص في المعنى من سياق تلك الآيات المتشابهات، فإذا تمكن الحافظ من استحضار تلك الفروق سهل عليه تجنب الغلط عند تلاوتها، ومن نتائج البحث أفاد الباحث ببيانه أنَّ الاشتباه واللبس وصف متعلق بالقارئ لا بالمقروء، وبالحافظ لا بالمحفوظ، والتشابه صفة ذاتية للقرآن كلّه. وما ينبغي أن نوصف آيات البينات بالاشتباه.

    اتّفق هذا البحث بما يقوم به الباحث في هذه الصفحات حيث أنَّ القرآن الكريم هو المورد الصافي المقتبس منه لدى الباحثين عبر تحقيق الغاية البحثية المقصودة، غير أنَّ ما يرمي إليه الباحثان في لب الموضوع يختلف تمام الاختلاف. حيث يميل ذلك الباحث إلى توضيح مدى الاشتباه في قراءات بعض النصوص القرآنية، خلافًا لاهتمام الباحث في هذه السطور نحو حقول دلالات أسماء الحسنى في القرآن الكريم، مرتكزًا على اسمي؛ القاهر والقهار أنموذجا، وبين الموضوعين بُعد المشرقين.

2-وصف ظاهرة قراءة القراء السبعة على بعض أوزان فعل الماضي المزيد في القرآن الكريم؛ دراسة صرفية تحليلية، (2016). بقلم الدكتور غمبو حسن. مقالة منشورة له في مجلة عالم للدراسات العربية؛ مجلة دولية محكّمة تصدر عن قسم اللغة العربية، جامعة إلورن، إلورن نيجيريا. المجلد الأول، العدد الثالث، 2016م.

 بعد المقدمة تناول الباحث بعض النصوص القرآنية للنماذج المدروسة، حسب أوزان الصيغ الصرفية لفعل الماضي المزيد بالتاء والألف، ودرس أوجه قراءتها، وكما تناول ما تكمن فيها من قضايا صرفية عرضًا وتحليلًا. يتلقى البحث السابق واللاحق في ظلال القرآن الكريم، وكانا طرائق قددًا خلال الضالة المنشودة في موضوع النقاش بيانًا وتبيانًا، يسعى هذا في حقول دلالية بلاغية لبعض أسماء الله الحسنى في تنزيل الحكيم الحميد، وأما ذلك فقد يحتوي في زاوية قراءة القراء السبعة عبر القضية الصرفية في مختارات النصوص القرآنية أنموذجا، ولاسيما أوزان فعل الماضي المزيد. وعلى هذا المنوال يبدو جليًّا أمام المتلقي المتذوق ما بين البحثين من الائتلاف والاختلاف.

 3-دراسة نحوية صرفية تطبيقية للأسماء الممدودة في القرآن الكريم؛ كلمة "أولياء" نموذجًا. إعداد: الدكتور أحمد شيخ مُسَاوَا؛ المحاضر بقسم الدراسات العامة (فرع اللغات) تقنية حسن عثمان كشنه، ولاية كشنه نيجيريا. مقالة منشورة له في مجلة دراسات عربية حولية، تصدر عن قسم اللغة العربية-جامعة بايرو كنو-نيجيريا. العدد الخامس عشر، الرقم الثاني، أكتوبر 2020م، خلال ص: 125-170.

   افتتح الباحث بمستخلص بحثه ومقدمته ومن ثم  تناول مفهوم كلمة الصرف لدى القدامى والمحدثين، يليه بيان أوجه الاختلاف في مصطلح كلمة "الصرف"، وفي عاقبه أورد الباحث قائمة الأسماء الممنوعة من الصرف، مع توضيح البيان عن مفهوم ألف التانيث الممدودة وأنواعها. وفي رحاب ذلك قام الباحث بتحليل كلمة "أولياء" الواردة في القرآن الكريم، ومن ثم عرض ما تفيدها حسب الحقول الدلالية. إنَّ غاية ما في هذا البحث السابقة الإشارة إلى عنوانه ومضمونه عبارة عن دراسة قضية من قضايا نحوية وصرفية للأسماء الممدودة، وخلافًا لمهام الباحث هنا حيث يستقل الهدف في مناقشة دلالات أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم، حسب سياقها بالتطابق وسياقها بالالتحاق، ومصداق حيّ على ما اختاره الباحث أنموذجا يتجسد في اسمي القاهر والقهار، وشتّان بين عنوان البحثين ومضمونهما.

4 -تمييز الحروف العربية من حروف اللغة العربية ومعرفة قواعد الوقف وأثر ذلك في تجنب الأخطاء في قراءة القرآن الكريم، إعداد: الدكتور أُوبا حمزة؛ المحاضر بقسم الدراسات الإسلامية - كلية سعادة ريمي للتربية كنو-نيجيريا. هذه مقالة كانت منشورة في مجلة دراسات عربية حولية، تصدر عن قسم اللغة العربية- جامعة بايرو كنو- نيجيريا. العدد الخامس عشر، الرقم الثاني، أكتوبر 2020م، ص: 125-170.

    أتى الباحث بعد ملخص ومقدمة البحث بأساسية البحث، ومن ثم ولى وجهه إلى لب الموضوع الذي يحتوي تحت المطالب الثلاثة، وفي المطلب الأول خصائص لغة الهوسا ومصادر الأخطاء بين أبناءها في قراءة القرآن الكريم. وأما المطلب الثاني: عبارة عن الحروف وصفاتها. وفي المطلب الثالث والآخير: تناول الباحث الوقف والابتداء ثم الخاتمة مع نتائج البحث ومن ثم قائمة المصادر والمراجع. وقد أضاف الباحث في آخر مطاف نقاشه أن هناك حروفا متّفقًا عليها بين اللغة العربية ولغة الهوسا، وأخرى اختلفتا فيها، إما لأنَّها غير موجودة في إحدى اللغتين أو أنَّها موجودة بصفات مغايرة لما في اللغة الأخرى. وأفاد أيضا أنَّ الأخطاء الشائعة عند الهوسا توجد في حروف عربية غير موجودة في لغتهم، أو موجودة بصفات مغايرة لما في اللغة العربية. وكذلك عدم الالمام بقواعد اللغة العربية وعلم الوقف والابتداء، كان مما يوقع الطلبة في الأخطاء الشائعة في قراءة القرآن الكريم.

كان واضحًا ما بين الموضوع المتناول لدى الباحث في مقالته المنشورة، حيث قارن وميّز بين الحروف العربية والهوساوية في موكب الابتداء والوقف أثناء القراءة، وتوضيح الأخطاء الشائعة خلال القراءة. تختلف كل هذه بأهداف الباحث في هذه البحث المستقلة، وذلك في تناول بعض أسماء الله الحسنى حسب أسرار بلاغتها وحقول دلالاتها في سياق الطباق وسياق اللحاق، وإيراد الأسلوب المناسب للفكرة المستنبطة منه بأقوى الاستدلال، مع قياس حقائق بحقائق في النصوص القرآنية المدروسة توطيدًا للغاية في اسمي القاهر والقهار، وتـحقيقًا للهدف بحسن التصرف في دلالة معانيهما.

5- أثر القراءات القرآنية في الواقع اللغوي؛ دراسة تطبيقية في سورة القلم (2023)، إعداد الدكتور محمد الثاني هارون، مقالة منشورة في مجلَّة المعادن تصدر عن قسم الدراسات العربية، الجامعة الفيدرالية لافيا، ولاية نصراوى- نيجيريا. وموطن الاتفاق بين البحثين أنهما في رحاب دراسة النصوص القرآنية عرضًا وتحليلًا، ومدى الافتراق أنَّ موضوع النقاش في البحث السابق مرتكزًا على أثر القراءات القرآنية في صورتي المخطوطة والمطبوعة، والأمر بالعكس في هذا البحث حيث يهتم الباحث بدقة النظر نحو دلالة أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم، بخاصة اسمي؛ القاهر والقهار حسب سياق اللحاق وسياق الطباق في زاويتهما دالًا ومدلولًا.

مناقشة لب الموضوع في رحاب التحليل والتعليل:

عند تأمل أساليب الذكر الحكيم يرى المتلقي المتذوق مواطن أليفة بالسياق لما فيه من السياقات التي تحتاج إلى أساليب محددة وواضحة غير حمالة، تخلو من الخيال حيث أن السياق لا يحتمل ذلك، وإنما يهتم بإمعان النظر وإنعام البصر لحصول على أسرارها البلاغية بيانًا، ونيل حقيقة حقولها الدلالية تبيانًا، هذه ما يرمي إليها الباحث في المحاور التالية للنفع والانتفاع:

المحور الأول: السياق بين مفهومه المعجمي ومدلوله الاصطلاحي

السياق في اللغة مأخوذ من (س وق) يقال: ساق الإبل سوقًا: جلبها وطردها، ويقال: سقته فانساق، والسقة ما يساق من الدواب وسقت المهر إلى المرأة، وذلك أنَّ مهورهم كانت الإبل يقال: اتساقت الإبل، وتساوقت: إذا تتابعت، وفي حديث أم معبد "فجاء زوجها يسوق أعنزا عجافا ما تساوق". أي: ما تتابع، وذكر الزمخشري في الأساس أنّ "من المجاز: تساوقت الإبل، أي: تتابعت وهو يسوق الحديث أحسن سياق، وإليك يساق الحديث، وهذا الكلام سياقه كذا". (1) (Azzamakhshariy) وقد جاء لفظ السياق أيضا في حديث عمر- رضي الله عنه- حين قيل له: أربع خصال عاتبتك....إلى أن قال: وشكوا منك عنف السياق، ونهز الرعية، وكان مما أجاب به- رضي الله عنه- لولا ذلك لأعذرتك بعض ما أسوق،                         (Al-Barkawiy)(2) وذكر ابن الأثير أنَّ السياق: السوق والمساوقة: المتابعة(3) (Ibn Al-Atheer)، وفي الوسيط أنّ: السياق المهر، وسياق الكلام: تتابعه، وأسلوبه الذي يجري عليه. (4) (Majma’u Allugah)

والمفهوم الاصطلاحي لدلالة لفظة (السياق): يشير إلى مجموعة العوامل التي تؤثر في اتجاه النَّص، وفي تشكيله وفي ظهوره. فالسياق العام للأثر الأدبي أو النَّص هو المجتمع والتاريخ. وهو (السياق) يعزله الناقد البنيوي الشكلي عن العالم الخارجي حتى يستطيع الوصول إلى اكتشاف التواتر أو الاطراد بين النصوص الأدبية وبين بعضها. ويعتمد عليه الناقد البنيوي التوليدي (الدينامي) من أجل فهم وتفسير الأثر أو النَّص الأدبي (Hijaziy, 41:) والواضح أنَّ المادة اللغوية تدور على الحدو والطرد إلى جهة واحدة فلا يبعد أن يكون المراد بالسياق في اللغة سوق الكلام وحدوده إلى مقصد واحد، وربما يرشح لذلك ما جاء عليه قول ربنا: )والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابًا فسقناه إلى بلدٍ ميّتٍ فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور( (فاطر، الأية:9). وقوله سبحانه وتعالى أيضا: "أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعًا" (السجدة، الأية:27)، وقوله عزَّ وجلّ في آي الذكر الحكيم: "وسيق الذين كفروا إلى جهنَّم زمرًا" (الزمر، الأية:71)، وقوله تعالى أيضا: )ونسوق المجرمين إلى جهنَّم وردًا( (مريم، الأية:86). نلحظ في هذه الآيات أنَّ المسوق جنس واحد، وانَّ الجهة المسوق إليها كذلك واحدة، فلو نقلنا هذا إلى حقل الكلام لأوجب ذلك علينا أن يكون الكلام من جنس واحد، وأن يكون على نسق واحد، ما دامت الجهة والمقصد الذي يهدف إليه الكلام واحدًا، وعليه فلا بعد بين المعنى اللغوي والمعنى الذي يريد التأكيد عليه.

المحور الثاني: مفهوم السياق في تراث القدامى والمحدثين بين الائتلاف والاختلاف

أولاً: مفهوم السياق لدى القدامي

-الشافعي (ت:204هـ): عقد الشافعي- رحمه الله تعالى- باب في الرسالة سماه "باب: الصنف الذي يبين سياقه معناه" (5) (Ashaf’iy) وما من ريب في أنَّ الاستنباط الفقهي يقتضي استنطاق النصوص مع الوعي التامّ بسياقها الحالي والمقالي، ويستكشف ذلك من يطالع الأم لإمام الشافعي، وفقه النصوص.

 -أبو عبيد القاسم بن سلام (ت:223هـ): ورد السياق عنده بمعنى: المقام الذي يصاحب الكلام، وقد ورد ذلك في قوله: وهو يشرح الحديث "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" عندما قال: "وهذا الحديث ليس يجيئ سياقه ولا لفظه على هذا التفسير". (6) (Abiy ‘Ubaid) وقوله أيضا: "لا أبا لك للشيء إذا أهم، وقاتله الله، ولا يريدون به الذم، وويل للأمر إذا تم، وللألباب في هذا الباب أن تنظر إلى القول وقائله، فإن كان وليًّا فهو الولاء وإن حسن، وإن كان عدوًّا فهو البلاء وإن حسن. (6) (Al-Abiy) أي: أنّ فقه السياق الخارجي (سياق الحال) أساس لفقه النص على الوجه الصحيح.

-الجاحظ (ت:255): جاء السياق عنده بمعنى المقام، والموقف، وذلك في قوله: "قال إسحاق بن حسان: لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع أحد قط، سئل ما البلاغة؟ قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري على وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع......إلى أن قال: فقيل له: فإن مل السامع الإطالة التي ذكرت أنّها حق ذلك الموقف؟ قال: إذا أعطيت كل مقام حقذه، وقمت بسياسة الذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنَّه لا يرضيهما شيء". (7) (Jahis)

-ابن قتيبة (ت:276ه): ورد مصطلحا الحال والمقام عند ابن قتيبة مرادفين للسياق، وذلك في قوله: "فالخطيب من العرب إذا ارتجل كلاما في نكاح أو حمالة أو تخضيض أو صلح أو ما أشبه ذلك لم يأت به من واد واحد، بل يفتن فيختصر تارة إرادة التخفيف، ويطيل تارة إرادة الإفهام، ثم يقول: وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال، وقدر الحفل وكثرة الحشد وجلالة المقام" (8) (Ibn Qutaibat)

-ابن جني (ت:392): ورد السياق عند ابن جني بمعنى: "تتابع الكلمات في الجملة، أو الجمل في النصوص، وقد ورد ذلك في استعمال ابن جني للفظ عندما قال: وليس يجوز أن يكون ذلك "أي تكلف ما تكلفته العرب من الاستمرار على وتيرة واحدة، وتقريها في كلامها منهجًا واحدًا تراعيه، وتلاحظه" كلّه في كل لغة لهم، وعند كل قوم منهم اتفاقًا وقع حتى لم يختلف فيه اثنان، ولا تنازعه فريقان إلا وهم له مريدون، وبسياقه على أوضاعهم فيه معنيون" (2)(Al-Barkawiy)  وورد أيضا مراد به السياق الخاص من ذلك ما أورده عقب حديثه عن مجموعة من أغراض العرب ومقاصدهم من نحو التقبل والإنكار والأنس إذ قال: "وغير ذلك من الأحوال الشاهدة بالمقصود، بل الحالفة على ما في النفوس. (9)(Ibn Jinniy) وواضح أنَّه يريد بذلك ما يحيط بظروف الكلام من أحوال خارجية. وقد أكد ابن جني على السياق المقالي، وكيف يعكس سياق الحال، حين أورد حكاية قول الأعرابية في قول الشاعر:

تقول وصكت وجههــا بيمينها ** أبعــلـي هذا بالرحى المتقـــاعس

إنَّ الشاعر لو قال: أبعلي هذا بالرحى المتقاعش........من غير أن يذكر صك الوجه، لأعلمنا بذلك أنَّها كانت متعجبة منكرة، لكنّه لما حكى الحال فقال: وصكت وجهها بيمينها علم بذلك قوة إنكارها، وتعاظم الصورة لها، هذا مع أنَّك سامع لحكاية الحال غير مشاهد لها، ولو شاهدتها لكنت بها أعرف، ولعظم الحال في نفس تلك المرأة أبين، وقد قيل: ليس الخبر كالمعاين، ولو لم ينقل إلينا هذا الشاعر هذه المرأة بقوله: وصكت وجهها، لم تعرف به حقيقة تعاظم الأمر لها" (9)(Ibn Jinniy)

ثانيًا: مدلول السياق في مقياس المحدثين

الدكتور تمام حسان: السياق عنده يرادف الحال أو المقام، وقد وسع القول في المقام جامعا بين القديم والحديث منطلقا من مقولة البلاغيين "لكل مقام مقال"، فهو يرى أنّ: "المقام هو حصيلة الظروف الواردة طبيعية كانت أو اجتماعية، أو غير ذلك في الموقف الذي تتم فيه أداء المقال".   (10)(Tamam Hassan) بل إنَّ المقام-وحده-عند تعدد المعنى للكلمة الواحدة، أو تأرجح التعبير بين الحقيقة والمجاز يحدد المعنى "فالكلمة المفردة يمكن أن تدل على أكثر من معنى، وهي مفردة لكنّها إذا وضعت  في مقال يفهم في ضوء مقام انتفى هذا التعدد عن معناها، ولم يعد لها في السياق إلا معنى واحد؛ لأنَّ الكلام، وهو مجلى السياق، لا بد أن يحمل من القرائن المقالية (اللفظية) والمقامية (الحالية) ما يعين معنى واحدا لكل كلمة، فالمعنى بدون المقام متعدد، ومحتمل؛ لأنَّ المقام هو كبرى القرائن، ولا يتعين إلا بالقرينة". (10) (Tamam Hassan)

-جبور عبد النور: عرف السياق بأنَّه: هو مجرى الأحداث في رواية أو مسرحية، أو تسلسل أحداث مترابطة، بحيث تتألف منها حبكة ببداية وتتام ونهاية. (11) (Jaboor) وواضح أنَّه تعريف للسياق في جنس أدبي واحد، لا يصلح تطبيقه على سواه.

-الدكتور محمد عبد المطلب: لقد عقد في كتابه (البلاغة والأسلوبية) فصلاً مسهبًا عن السياق استغرق ستا وأربعين صفحة، انطلق فيه من مقولة البلاغيين (لكل مقام مقال) و (لكل كلمة مع صاحبتها مقام) ، وبين أن فكرتي المقام والمقال في مفهوم البلاغيين مرتبطتان بالبعد الزماني والمكاني للكلام، وذلك أن الأمر الذي يدعو المتكلم إلى تقديم صياغة على وجه معيّن، إما ا، يتصل بزمن هذه الصياغة، فيسمى الحال، وإما أن يتصل بمحلها فيسمى المقام؛ لأنَّ كل كلام لا بد له من بُعد زماني وبُعد مكاني يقع فيه. وقد ذكر أنَّ فكرة المقام تمثل اليوم مركز الدلالة الوضعية، من حيث كانت مبرزة للجانب الاجتماعي الذي تظهر فيه العلاقات والأحداث والظروف المقتضية لإيراد الكلام على صورة مخصوصة، وقد بيّن أنه من الضروري لفهم نص معيّن أن يعاد تصور المقام الأصيل، وكلما كان التصور دقيقًا كان إدراك النص أيسر، وفهك علاقاته متاحًا للدارس أو الناقد.

المحور الثالث: تحليل دلالة اسمي "القاهر والقهار" في القرآن الكريم عبر سياق اللحاق وسياق الطباق

    لفظة القهَّار جاءت بصيغة المبالغة من القاهر، ومعناها: الذي قهر جميع الكائنات وذلَّت له جميع المخلوقات، ودانت لقدرته ومشيئته مواد وعناصر العالم العلوي والسفلي، فلا يحدث حادثٌ ولا يسكن ساكنٌ إلا بإذنه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وجميع الخلق فقراء إلى الله عاجزون، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا خيرًا وشرًّا، وكونه تبارك وتعالى قهَّارًا مستلزما لكمال حياته وكمال عزَّته وكمال قدرته. وثبوت هذا الوصف لله عزَّ وجلّ يعدّ شاهدًا من شواهد وحدانيته، ودليلًا من دلائل تفرّده بالألوهية، وبطلان الشرك واتخاذ الأنداد. وقد ورد اسم الله جلّ جلاله "القهَّار" في ستة مواضع من القرآن الكريم، مضمومًا في جميعها إلى اسمي "الله" و "الواحد". يتناول الباحث كلّها في السطور التالية تحليلًا وتعليلًا، مع توضيح متعلقات معانيعها حسب السياق تطابقًا والتحاقًا، ولاسيما في حقول الدلالات، حسب خصائص تراكيبها البلاغية، ومزايا تصويرها البيانية:

  • الموضع الأول:

    ورد في سياق إبطال يوسف عليه السلام للشرك وبيان فساده وضلال أهله، مخاطبًا صاحبي السجن، وذلك في ظلال قول الله سبحانه وتعالى: )يا صاحبي السجن ءأربابٌ متفرقون خير أم الله الواحد القهار. ما تعبدون من دونه إلآ أسماء سميتموهآ أنتم وأبآؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلآ إيَّاه ذلك الدّين القيّم ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون( (يوسف، الأيتان: 39-40).

يتبيّن في الأية الأولى الارتباط الوثيق بين بنية الجملة الاستفهامية وتركيبها التابع لبلاغة النداء، وبين المعنى البلاغي للاستفهام، فالأول يمهد للثاني، فهو بمثابة التوطئة له والمقدمة، فبالنظر إلى المعنى البلاغي للجملة الاستفهامية يكون بناؤها مكتملًا للهدف المنشود والغرض المقصود، فيأتي التقديم والتأخير متجاوبًا مع ذلك المعنى، ودالًا عليه، (يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خيرٌ) (يا صاحبى السجن آ الله الواحد القهار خير)، جاءت دلالة النَّص السابق تبيانًا لبطلان الشرك بقوله: "ءأربابٌ" أي: عاجزة ضعيفة لا تضرُّ ولا تنفع ولا تعطي ولا تمنع، وهي متفرّقة ما بين أشجار وأحجار وملائكة وأموات وغير ذلك، "خيرٌ أم الله" الذي له صفات الكمال ونعوت الجلال "الواحد" في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك له "القهَّار" الذي انقادت جميع الأشياء لقهره وسلطانه. ودلالة النَّص البلاغي في زاوية أسماء الله تعالى الحسنى، في فحوى وصفية دسمة القوى الإلهية، الذي هو القاهر فوق عباده.

وقضيتا الربوبية والألوهية من القضايا المركزة في الفترة الأولى بين الرسل وقومهم المشركين. وفي أشباهها من ظروف الحال، كما يكشف لنا ترتيب النزول أنَّ هاتين القضيتين (الألوهية والربوبية) كان يجري الحديث فيهما على فترات من جانب المشركين، وكان يتم تناول إحداهما حينا، والأخرى أحيانا آخر. وإنَّ القرآن العظيم اتخذ في حال نزوله عدَّة مسالك لإثبات هاتين القضيتين، فالبعث إثبات للألوهية، ويلائمه المجاز، والامتنان والقدرة إثبات للربوبية تلائمه الحقيقة وهكذا (Al-Hud’ud:103) ودلالة النَّص تتناسب بسياق الطباق وسياق اللحاق عبر إثبات عقيدة الألوهية والربوبية بالبراهين القاطعة، والحجج الدامغة.

  • الموضع الثاني:

    جاء توظيف صيغة (القهَّار) في سياق بيان بطلان ما عليه المشركون من اتخاذ الأوثان والأنداد مع أنَّها لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا، ويتركون عبادة الله الواحد القهَّار وإخلاص الدِّين له. وفي هذا يقول عزَّ من قائل:  )قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أوليآء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار( (الرعد، الأية: 16).

  ثبتت هنا حقيقة الغاية البلاغية حسب الحقول الدلالية بمصداق حيّ في سياق الطباق، أنَّ الخالق جلّ جلاله؛ الذي استطاع إبداء الخلق والإيجاد، والإبداع، هو المستحق أن يوصف بالإقهار والإفراد والوحدانية. فقد يفيد النَّص بعبارته ودلالته في براعة الاستهلال بما تفهم من السياق وقرائن أحواله، أنَّ الفاعل عزَّ وجلّ يقع منه الحدثان (الخالق والإيجاد) و (الوحدانية والإقهار)، والمفعول كذلك يصح وقوعهما عليه، فليس هنالك أيِّ دليل يرشد إلى الاستعارة لإثبات التعدد أو التشابه والاشتراك في المعنى الذي أبرزه السياق. لأنَّ أسماءه تعالى تستقل بالدلالة على المعاني وخصائصها في سياق دلائل القدرة، فترجع إفادتها في حقّ اللزوم وصدق الالتزام لتوطيد الفهم والإفهام، لفتًا إلى النظر في أحسن الصنع والتصوير، وفي أعدل الخلق والتقويم، إشارة بالإيماء للاهتمام بهذا الدليل القويّ لإثبات الألوهية في خلق كل الخلائق، وإيجاد جميع الموجودات. شأنه في علمه الشامل وقدرته الباهرة دلالة على تنزيهه عزَّ وجلّ وتعظيمه وتقديس صنعه الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. ولا يخفى على المتلقي المدقق النظر حسن النظم، وجمال الوصف، ودقة التعبير القرآني في إيراد بلاغة الأمر وتكرارها خمس مرات في أية واحدة مرتبطة ببلاغة الاستفهام في زاويتها: "قل من رب السماوات والأرض قل الله"، " قل أفاتخذتم من دونه أولياء"، "قل هل يستوي الأعمى والبصير أم تستوي الظلمات والنور"، "أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله"، فتلك الاستفهامات وإن أريد بها معان بلاغية، كالإنكار والتعجب والتقرير، فإنَّ محض المعنى هو التنبيه والإيقاظ وتحريك الفكر وإثارة الذهن، حتى يرجع إلى نفسه، فيخجل ويرتدع ويعى بالجواب، فكيف عن العناد والمكابرة (Al-Jurjaniy:151).

    وبالإعجاز البياني في الانتقال من الغيبة إلى الخطاب، ينبئ بالمعنى ويوحي به، وفي وراء أسلوب الالتفات تكمن معان سامية، وإدخال الروعة، والإشعار بأنَّ ما ذكر من الأفاعيل العجيبة في الخلق والإبداع والإيجاد من أحكام الألوهية إجلالًا وإعظامًا وإثباتًا وتقريرًا وتوكيدًا وتوحيدًا قهرًا وإقهارًا لله سبحانه وتعالى: "خالق كل شيء وهو الواحد القهار". فإنَّ معاني الأية الكريمة في الحقول البلاغية والدلالية تجلَّت في إفراد الله في خلق الخلائق، وإيجاد الكائنات، والواحد هو القهار، وكونه قهّارًا يدل على كونه واحدًا بلا ندًّا.                         

  • الموضع الثالث:

    قد استعمل في سياق التهديد والوعيد للكفار المشركين بالهلاك وحلول النقمة بهم يوم يبرزون لله الواحد القهَّار مسلسلين بالأصفاد من النار وعليهم ثياب من قطران وتغشى وجوههم النار. قال الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: "يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار. وترى المجرمين يومئذ مقترنين في الأصفاد. سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار. ليجزي الله كل نفس ما كسبت إنَّ الله سريع الحساب" (إبراهيم، الأيات: 48-51).

يكمن في هذا الموقع بمقتضى ظاهرة الإثبات ما لاءم السياق المتظاهر ضد إنكار البعث يوم تبلى السرائر، لفتا إلى قوَّة الدليل على القدرة والبعث، فإنَّ التعبير هنا يمثل التوضيح الذي جاء في رحاب الآيات الثلاثة الكريمة التابعة لها، يثير معاني نفسية عميقة، وفيها عدّة مواطن الاهتمام بإثبات التفرد في الألوهية، والإقهار في الوحدانية. فذكر دلالتها على وحدانيته اللازم منه إبطال ما يزعمه المشركين. ثم عقب النَّص المقدّس بما يناسب حال الإنكار"إنَّ الله سريع الحساب"، تحقيقًا للبعث، وتصديقًا للجزاء، وتأكيدًا بالدليل المشاهد في السياق المقالي التحاقًا، والسياق المقامي تطبقًا، أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يتهمل بالنشور والحساب الوافي قبل الجزاء الأوفى، ولا يتمهل في الثواب والعقاب يوم تجادل النفس عن نفسها. إنَّ إيثار التعبير في مقطع الآية الأولى: "لله الواحد القهار" وفي آخر مطاف الآية الرابعة والآخيرة: "إنَّ الله سريع الحساب" يضيف في ذهن المتلقي المتذوق الاستئناف البياني، ويفيد في عقلية المتأمل المدقق السرّ البلاغي، بمواطن ارتباط المعنى المراد بين المقطعين؛ فإنَّ جلاليته تتسرع في الحساب يوم القيامة للجماعة والأفراد، تطابق وحدانيته في القهر والإقهار فوق جميع العباد وإنه لا يخلف الميعاد. وعلى هذا تلتحق دلالة النَّص الكريم في الأولى "يوم تبد الأرض غير الأرض" بغاية الفكرة في الثانية "ليجزي الله كل نفس ما كسبت"، وتحمل حقولًا متضافرة من وجوه البيان تتسم بالرونق لا تزال تلفت الانتباه في بلاغة التركيب وروعة الترتيب إذكاء لعقلية المتلقي بأقوى حجة لتثير في القلوب آيات من الرقة والدقة، ولتثبت في العقول بصورة ممتعة لا مبتذلة ولا ممتهنة في المقطع: "وبرزوا لله الواحد القهار"، ويشكل المنجز البياني في النَّص البلاغي بالاستثمار الذهني، فتزداد عناية بالغة على مدى سرعة الحساب، لتحقيق حسن الثواب للصالح، وتوضيح سوء العقاب للطالح، من الله الواحد القهار: "إن الله سريع الحساب" الواحد القهار يكون سريع الحساب على مدى سياق اللحاق.

  • الموضع الرابع:

        قد جاء النَّص البلاغي القرآني الكريم، فأفاد في سياق تقرير تفرد الله بالألوهية إذ هو القاهر فوق عباده، وفي ذلك قال الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله:

"قل إنَّمآ أنآ منذرٌ وما من إله إلا الله الواحد القهَّار. ربّ السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفَّار" (ص، الأيتان: 65-66).

إنَّ إيثار التعبير في بلاغة الاختصاص التابع والمرافق بأسلوب القصر في بعثة الرسول-صلى الله عليه وسلَّم-في مغزى الاستئناف البياني لمهمّة رسالته نذيرًا نحو إفراد الله تعالى، وتحذيرًا من الإشراك به، نفي الألوهية لغيره وإثباتها لله وحده لا شريك له، كان هذا ملتحقًا بكونه قهَّارًا. وفي دلالة النَّص الثاني جواب لسؤال مقدّر من النَّص الأول من جاحدٍ ملحدٍ يشك قائلًا: (كيف يكون الله واحدًا وقهَّارًا؟)، فيأتي الجواب مباشرًا مبيّنا؛ لأنَّ ألوهيته تثبتها ربوبيته في خلق السماوات والأرض وما بينهما، ووصفه بالعزَّة يصدق غفرانه لذنوب المذنبين، ويحقّق عفوه عن آثام التائبين. وتوظيف أسلوب القصر الذي يصوّر المبالغة، ويلقي المعنى أمام المخاطب مؤكدًا جليًّا حتى يستطرد السياق اللحاقي بالتطابق الدلالي إلى إثبات الغاية أنَّ الإله القاهر هو الواحد، والواحد القهار هو الله لا غير. والسياق نفسه يلائم المغزى ويناسب الفحوى بمجيئه خبريا محضًا، يقرّر هذه الحقائق بالألوهية في وحدانيته وإقهاره، ويثبت تلك الدلائل بالربوبية في خلقه السماوات والأرض وهو رب العزَّة والمغفرة، إلى غير ذلك من الدلائل البيّنات، والحجج الواضحات، التي سيقت في القرآن الكريم مبيّنة أنَّ الله عزَّ وجل هو الواحد القاهر والقهَّار الوحيد، الإله الحق والمستحق أن يُعبد ويستعان، يعفو ويغفر، يكرم ويرحم، ينصر ويرزق، وبهذا التقرير والعرض يتبيّن التلازم بين التوحيد والإيمان باسم الله القهّار الذي لا يكون إلا واحدًا. وفي تقرير هذا المعنى يقول ابن القيم رحمه الله: "لا يكون القهار إلا واحدًا؛ إذ لو كان معه كفؤٌ له فإن لم يقهره لم يكن قاهرًا على الإطلاق، وإن قهره لم يكن كفؤًا، وكان القهار واحدًا" (Ibn Al-Qoyyim:1032). إنَّ سياق اللحاق والطباق فائق ووافق في مغزى الخطاب وفحوى التركيب بتجسيد المعنى على تحقّق الأمر وإنعام النظر وإمعان البصر في بيان تنزّه الله عن الشرك والند.

  • الموضع الخامس:

يبرز التوظيف البلاغي في سياق بيان تنزّه الله عن الشرك حيث ورد فيه هذا الاسم العظيم الأعظم، قال الحقّ الوكيل: "ألآ لله الدّين الخالص والذين اتّخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم إلَّا ليقربونآ إلى الله زلفى إنَّ الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إنَّ الله لا يهدي من هو كاذبٌ كفَّارٌ. لو أراد الله أن يتّخذ ولدًا لَّاصطفى ممَّا يخلُق ما يشآء سبحانه هو الله الواحد القهَّار". (الزمر، الآيتان:3-4).

ومن الجدير بالتسجيل والملاحظة أنَّ المتلقى يرى الأسلوب يتلاءم تلاؤما تامًّا مع ما تهدف دلالة النَّص خبريًّا ممتزجًا بالإنشاء في جو النَّص البلاغي-هو جو التقرير والبيان، والجدل الهادي والحوار الهادف، وإثارة الفكر والوجدان، للوصول إلى تلك الحقيقة، حقيقة الإيمان الخالص بالله وحده، وبمراعاة سياق الطباق  وسياق اللحاق لدلالة معنى القهر. وعلى هذا قال ابن سعدي رحمه الله تعالى في تفسير الآية: "هذا تقرير لألوهيته، بهذا البرهان القاطع، وهو وحدته تعالى، وقهره لكل شيء، فإنَّ القهر ملازم للوحدة، فلا يكون قهاران متساويين في قهرهما أبدًا، فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده، كما كان قاهرًا وحده" (Jabir:705). وفي حقول دلالة النَّص البلاغي عبر السياق المقالي والمقامي يحصل الإقرار في هذا الصدد أنَّ التوحيد حق الألوهية، والعبادة حق الربوبية لله الواحد القهار. ويفيد فحوى الخطاب والمقال أنَّ الدّين الخالص لله الواحد، وأنَّ اتخاذ الأنداد لرب العباد هو موكب الشرك والكفر والطغيان والعصيان عبر الرقود فيما لا يفيد. وفي هذا وذاك مطابقة رائعة لسياق الحال على مدى الفضل والامتنان، وبما هو ألصق بالسرّ البلاغي لتوضيح المعنى المقصود، وبطلان ما يسندها إليه المشركون والكافرون من الأنداد والأضداد، وما يشبهونه بها من الأصنام والأوثان، وما يصفون بصفاته عزَّ وجلّ، وكيف يشبه الخالق بالمخلوق، وهل يُعقل ترك القهار والاستغاثة بالمقهور؟ تعالى الله عمَّا يشركون به، وسبحان الله عمَّا يصفون بصفاته.

  • الموضع السادس:

        لقد استوى ورود اسم الله العظيم سبحانه وتعالى (القهَّار) في سياق التهديد والوعيد للمشركين يوم بروزهم لله الواحد القهَّار لا يخفى عليه سبحانه شيء من أعمالهم أو ذواتهم. قال الواحد القهَّار في كتابه الحكيم: "يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيءٌ لمن الملك اليوم لله الواحد القهَّار. اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إنَّ الله سريع الحساب". (غافر، الآيتان:16-17).

إنَّ الله عز وجلّ هو الذي قهر جميع الكائنات، وذلت له جميع المخلوقات، ودانت لقدرته ومشيئته مواد وعناصر العالم العلوي والسفلي، فلا يحدث حادث ولا يسكن ساكن إلا بإذنه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وجميع الخلق فقراء إلى الله عاجزون، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا خيرًا ولا شرًّا. وقهره مستلزم لحياته وعزَّته وقدرته فلا يتم قهره للخليقة إلا بتمام حياته وقوَّة عزته واقتداره؛  (Assadiy:76) إذ لولا هذه الأوصاف الثلاثة لا يتم له قهر ولا سلطان.(12) (Al-Harras). له الملك وبيده ملكوت كل شيء، وله الوحدانية لا شريك له في كل شيء، وهو القهار فوق جميع المخلوقات، وبقدرته وقوَّته وطاقته يحكم بالعدالة والإنصاف، وبالتدبر والتآمل والتفكر الهادي لصاحبه يؤمن العبد أنَّه يقوم أمام ربه يوم تجادل النفس عن نفسه.

      أوثر التعبير في دلالة النَّص بذكر لفظة (اليوم) أربع مرات؛ والمرة الأولى في مطلع النَّص جاءت نكرة "يوم"، والمرة الثانية جاءت معرفة "اليوم". اليوم للجزاء، وفي اليوم نفسه لا ظلم بين الخالق والمخلوق، والله تعالى باعث العبد وسائله ويجزيه على ما قدَّم من عملٍ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر. "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار"، على جهة الانفراد والتفرد، والاستقلال والتملك والتغلب والامتنان، ولا يعجز الله تعالى شيء، والسرّ البلاغي في بلاغة الاستفهام يبرز الغاية وأوثر التعبير في مغزى الإعجاز والتعجيز، ويثبت الوحدانية لله الواحد، ويحقّق التغلب لله القاهر القهار، ويصدق الملكية لله الملك الحقّ يوم لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن فقال صوابًا. والقهار هو الواحد يوم الحساب، وسريع الحساب هو مالك الملك يوم المآب. ودلالة النَّص حسب السياق لإثبات الوحدانية، ونفي الشريك بتوطيد صفة كمال القدرة التي هي منفية لغيره، وهو رب الملكوت والجبروت والعظمة والكبرياء.

  • الموضع السابع:

    يتجلى هذا الاسم الأعظم (القاهر) عبر التقرير والعرض لبيان مدى التلازم بين إنصاف التوحيد وإخلاص الإيمان في السراء والضراء. وسياق دلالة النَّص الكريم هنا أفاد وأضاف في إثبات جلالته وقدرته سبحانه وتعالى فوق جميع الكائنات والمخلوقات، ومن لازم الإقرار بتفرده بالقهر، يستحق أن يُفرده وحده بالعبادة في سرّه وجهره، ويتقن بإيمانه أنَّه كاشف الضر الناصر المنتصر كلما قصده القانت المستنصر. ومصداق حيّ على ذلك مكتمن في قوله تعالى عزَّ من قائل:

"وإنْ يمسسك الله بضرٍّ فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخيرٍ فهو على كل شيء قدير. وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير" (الأنعام، الآيتان:1718).

 يكتشف المعنى بسياق الحال وسياق المقال تآرزًا في أداة الشرط عن وسال الترابط في السياق، وبين أنَّ ما يجعل السياق سياقًا مترابطًا، إنَّما هي ظواهر في طريقة تركيبه ورصفه، لولاها لكانت الكلمات المتجاورة غير آخذ بعضها بحجز بعض في علاقات متبادلة تجعل كل كلمة منها واضحة الوظيفة في هذا السياق. أوثر التعبير هنا بلاغة القصر في الاستئناف البياني نفيًّا وإثباتًا للاختصاص أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الواحد القادر الكاشف عن الضرر، والمعطي النافع القادر على كل شيء، وبغزارة المعنى بالتعادل والتكامل حسب سياق اللحاق إنَّ المولى القاهر فوق عباده هو الحكيم بشؤونهم، والخبير بأمورهم، إذا لم يكن واحدًا قاهرًا فوق عباده كيف استطاع أن يمس العبد بضرّ ما لا كاشف له؟ وكيف إذا لم يكن قهّارًا واحدًا أن يمسّ عبدًا بخير ما لا رادّ لفضله؟. إنما ينتهي القهر للواحد القهّار، ولا لأحد سواه. وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، إنَّما هو الغني المولى، وجميع المخلوقات فقراء إليه، عاجزون عن الاستغناء عنه. وتعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.

  • الموضوع الثامن:

    تنهض عظمة هذا الإسم الأعظم (القاهر) في سياق الإقرار بقدرته ربوبيًّا، والإقرار بجلالته ألوهيًّا على ضوء ما جاء توظيفه في آي الذكر الحكيم حيث قال الله الحقّ الوكيل:

"وهو الذي يتوفَّاكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنَّهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجلٌ مسمّى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون. وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظةً حتَّى إذا جآء أحدكم الموت توفَّتْه رُسلنا وهم لا يفرطون" (الأنعام، الآيتان:60-61).

إنَّ الجدل كان في الربوبية أكثر منه في الألوهية، وذلك أنَّ الإقرار بالربوبية يفضي ختما بالإقرار بالألوهية، لذا لم يقروا بالربوبية، وثبوت صفاته عزَّ وجلّ يعدّ شاهدًا من شواهد وحدانيته، ودليلًا من دلائل تفرده بالألوهية، وبطلان الاشتراك به في جميع تصرفاته، وفي كل شؤونه. ومن أجل ذلك كثر التعبير عن أثر الماء بالأسلوب الحقيقي (20 موضعا من 30 موضعًا)، وشيء آخر هو أنَّه لم يدع الإحياء مدَّعٍ، وإنَّما يكثر الادعاء في الإثبات، وهذا ما كان عليه مشركو مكة. هذا والتوحيد حق الألوهية، والعبادة حق الربوبية، والتوحيد يحصل بالإقرار به مرَّة باللسان مصدقًا لما في القلب، أما العبادة فيتكرر وقوعها، فناسبت القلة ما لا يتكرر، وناسبت الكثرة ما يتكرر، كما أنَّ الإنعام والامتنان سبيل إثبات الربوبية، والإحياء سبيل إثبات الألوهية. (الهدهد:104). وحقيقة دلالة النَّص في هذا الرحاب تنفي وترد تساوي المخلوقات المقهورة بالله الواحد القهَّار؛ "وهو القاهر فوق عباده"، وكيف تسوّى الكائن الحي الذي ينام بالله عزَّ وجلّ الذي لا تاخذه سنة ولانوم؟ وكيف يشبه الكائن الذي يمرض ويشفي ويموت بالحي القيوم الذي يحيي ويميت؟ الله الواحد القهّار الذي يتوفى الأنفس حين موتها، تعالى الله عما يشركون به من الأنداد، وسبحان الله عما يصفون بصفاته من العباد. فإنَّ السياق هنا يتطابق ويلائق بفضل الله ومنّه على جميع الخلائق؛ يحفظهم ويرعاهم بكمال القدرة في ألوهيته وربوبيته.

الخاتمة:

    تتجلى قبسات الإثارة البيانية القيم العلميّة في هذا البحث، عبر توجيه الأفكار الأدبية، حيث تمتد أبعاد المعنى في دراسة النصوص البلاغية المقدَّسة من آي الذكر الحكيم، لإمعان النظر نحو الأمور التي يجب الالتفات إليها، وإنعام البصر تجاه بعض القضايا المهم الانتباه فيها، ولاسيما المتلازم بين اللواحق والتطابق بعمدة المقاصد وأجلّها، حسب التنافر في السياق وطرق الاستعمال في ظلال النَّص القرآني الكريم. ومن الفكري ما عقده الوحي الكريم على مدى توظيف أسماء الله الحسنى بقوَّة التنظيم، وجودة الترابط على دقة التناسق بين الفكرة والأسلوب، مع فهم البنية الصحيحة حيث تعاطى الصّرح البلاغي فأقامه على الذوق والملكة في عقلية المتلقي، فتتبع تتبعًا واعيًّا ما يتميّز به كلام الله سبحانه وتعالى من سموّ ولباقة وجلالة، وتبرز الحقائق الربانية في توضيح دلالات أسماءه الحسنى الكامنة في آي الذكر الحكيم، لتغذية عقول الباحثين والدارسين، وتوطيد قلوب المؤمنين المواحدين، بمواطن المنجز الفكري والاستثمار الذهني نحو الاستنباط وربط الأحكام، لتحصيل الغايات العلمية بأنماطها، حيثما يتبيّن المقصود بالدليل العقلي حسب خصائص التركيب في زاوية الاسمين بالصيغتين؛ (القاهر والقهَّار)، وموكب دلالة التلازم بين التوحيد والإيمان بما أقام القرآن الكريم إعجازه الفكري والبياني على أسس وطيدة، تكمن غاياتها في إشراق درر المعاني الزاهية، حسبما تناولها الباحث في السطور السابقة.

نتائج البحث:

حاول الباحث ببذل الجهد نحو إبراز نتائج البحث تحت النقاط الآتية:

1-إثبات مدى التلازم بين التوحيد والإيمان باسم الله القهار في حقول دلالته وفقًا بالسياق والتطابق حجّةً وبرهانًا.

2-إبراز ثنائية معاني بعض أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم مع توضيح خصائص تراكيبها بالذوق والملكة.

3-تصوير مواطن التطابق وأماكن اللحاق بين اسمي القاهر والقهار بمراعاة سياق المقال والمقام لتوطيد الغاية الكامنة في البنية والوظيفة.

4-البيان الكافي عن مفهوم السياق لدى القدامى والمحدثين لتوضيح معناه معجميًّا واصطلاحيًّا.

5-عرض المواضع الست التي تدل دلالة ظاهرة على التلازم بين اسميه تعالى الواحد القهار، أنَّ الواحد لا يكون إلا قهّارًا، والقهّار لا يكون إلا واحدًا، وهذا ينفي الشركة ويبطل اتحاذ الأنداد لرب العباد.

6-إظهار السياقات المتعددة في  المنجز الذهني لتحليل اسمي القاهر والقهار في أنماطه معانيًّا وأفكارًا على مدى تنزّه الله سبحانه وتعالى عن الشرك.

7-بيان ملامح إنجازات بعض أعلام البيان العربي الإسلامي الذين قاموا واستقاموا على الطريقة لتوضيح السرّ البلاغي في زوايا أسماء الله الحسنى، ولاسيما الواردة من تنزيل الحكيم الحميد تحليلًا وتعليلًا.

قائمة المصادر والمراجع:

  1. Jarullah, A., & Mahmud, B. (1402 AH). Foundations of Rhetoric (Tahqeeq: A. R. Mahmud). Dar Al-Ma’rifah, Beirut.
  2. Abdul-Fatah Al-Barkawiy, M. (1993). Indications of Context Between Heritage and Modern Linguistic Science (First edition). Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah, Beirut, Lebanon.
  3. Ibn Al-Anther, B. Z.-Q. (1403 AH/1983). Rules of Morphology and Syntax (First edition, preserved for the author).
  4. Arab Language Academy. (1999). Al-Mu’jam Al-Waseet (Second edition). Cairo.
  5. Muhammad Idris Abu Ismail Ashaf’iy. (2001). Ar-Risalat (Second edition). Al-Halabiy Publishing, Cairo.
  6. Al-Abiy, I. (2006). Sharh Sahih Muslim (Third edition). Dar Al-‘Uloom for Publishing, Translation, and Distribution, Riyadh, Kingdom of Saudi Arabia.
  7. Al-Jahis, A. A. (n.d.). Al-Bayan wa At-Tabyyn. Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah, Beirut, Lebanon.
  8. Ibn Qutaibat. (1927/1362 AH). Explanation of the Difficult Parts of the Qur’an. Dar Al-Turath, Cairo.
  9. Ibn Jinniy. (1955). Al-Khasa’is (Edited by M. ‘Ali An-Najjar). Dar Al-Kutub Al-Mishriyyah, Cairo.
  10. Tamam, H. (1987). Arabic Language: Its Meaning and Structure. Al-Aheihat Al-Mishriyyat Al-‘Ammah li Al-Kuttab.
  11. Jaboor, ‘A.-N. (1984). Literary Dictionary. Dar Al-‘Ilm Lil-Malayeen, Beirut, Lebanon.
  12. Al-Harras, A. B. M. (1441 AH). Sharh An-Nuniyyah Lil-Harras. Matba’at ‘Aeiyn Li-Addirasat Wal-Buhuth, Cairo.

- Al-Ashfa’haniy, A. (1961). Al-Mufradat fi Al-Gharib Al-Qur’an (Edited by M. S. A. Kelaniy). Matba’at Mustopha Al-Alabiy.

- Sameer Sa’id Hajazy. (1997). Glossary of Contemporary Literary Criticism Terms (Second edition). Dar Al-Ma’arif Li-Tahqeeq Al-‘Uloom, Beirut, Lebanon.

 

                                         

 

 

  1.  

     

     

    مجلة النور للدراسات الإنسانية

    https://jnh.alnoor.edu.iq/

     

     

     

     

     

     

    دلالات أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم بين سياق اللحاق وسياق الطباق (القاهر القهَّار نموذجاً)

    عمر محمد الأول الإمام

    قسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة أبوجا، عاصمة دولة نيجيريا

     

          

     

    Article Information

     

    المستخلص

     

    Article history:

    Received: 11 May 2025

    Revised: 15 June 2025

    Accepted: 5 July 2025

     

    للبلاغة دورٌ مماثل عند إنتاج النَّص، وذلك فيما يتصل بالعناصر التي تتبعها من أجل التأثير، بمقدار ثراء الأغراض والمقاصد تكون الدِّقة في الدلالات والتراكيب، وأنَّه ألذ وأنفذ، أمتع وأنفع، أوقع وأقنع، أقوى وأشدّ اتصالًا، أبلغ وأقوم قيلًا. فقد يهتم البحث بالفروق المختلفة بين الجمل التي تربط بمجال دلالي محدّد، حيث يورد تراكيب وتعبيرات، فيلحظ فيها المتلقي ارتباط كل اسم منها بسياق معيَّن لتحصيل التلازم التركيبي في العبارات والجمل، لأنَّ وفاء الأسلوب الفني أن يأخذ بعضه بحجز بعض. ولذا تستوعب أهداف تناول هذا الموضوع عدة قيم جليلة في حقول دلالة اسم الله الحسنى (القاهر، القهَّار)، للاهتداء إلى لباقة الإمتاع، وروعة الإقناع، بقوة الإيقاع، ليخلق في ذاكرة المتلقي عروة التآخي بين غزارة العقل وعمق التفكير مبنى ومعنى، وبين شفافية القلب وقوة التأثير؛ فالقاهر لا يكون إلا واحدًا، والواحد لا يكون إلا قهَّارًا. وتأسيسًا على ذلك تكمن أهمية البحث في توضيح المعاني حسب السياق اللحاقي والطباقي.

    الكلمات المفتاحية:الدلالة،السياق،التطابق،اللحاق،جلالة اسم الله؛ القاهر، القهار.

     

    Keywords:

    Semantic

     Context

     Correspondence

     Continuity

     the majesty of the name of Allah; the Conqueror

     

    Corresponding Author

    د. عمر محمد الأول الإمام                                           [email protected]   

     

     

     

     

    DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i3.a13, ©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University.

    This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).

     

                   

     

    The Connotations of the Most Beautiful Names of ALLAH in the Holy Qur’an between the Context of Connection and the Context of Opposition. (The Conqueror, the Conqueror: As a case study)

    1. M. Al-Imam                

    Abstract

    Rhetoric has a similar role when producing text, in relation to the elements that it employs to achieve impact. The richer the purposes and objectives, the more precise the connotations and structures, the more enjoyable and beneficial, the more effective and convincing, the more delicious and penetrating, the stronger and more connected, the more eloquent and correct the statement. The research may focus on the various differences between sentences linked by a specific semantic domain, where structures and expressions are presented, in which the recipient notices the connection of each noun to a specific context to achieve structural coherence in phrases and sentences, because the loyalty of the artistic style is for some to take precedence over others. The objectives of addressing this topic encompass several sublime values in the fields of the meaning of the beautiful names of God (Al-Qahir, Al-Qahhar), to be guided to the elegance of enjoyment and the splendor of persuasion, with the power of rhythm, to create in the recipient's memory a bond of brotherhood between the abundance of the mind and the depth of thought in structure and meaning, and the transparency of the heart and the power of influence. Based on this, the importance of this research lies in clarifying meanings according to the consequential and contrastive context. The article's axes include the following points:

     

    منهج البحث:

    اختار الباحث المناهج الآتية: الاستقرائي والوصفي والتحليلي لتحقيق الغاية البحثية، يسعى نحو تحقيقها في هذا البحث، وخلال ذلك يستطيع تصوير الرباط في النصوص القرآنية المدروسة حسب آفاق تطابق السياق دالًا ومدلولًا، والتحاقه بالأسلوب والفكرة على قواعد ثابتة متراصة تتساوى فيها أنماط المعاني بيانًا وتبيانًا.

    أهمية البحث:

    تتبع أهمية الدراسة الحالية من أهمية الموضوع وخطورته، الموضوع الذي يتصدى الباحث لدراسته والمتمثل في كشف السرّ البلاغي وتوضيح الحقل الدلالي لبعض مختارات أسماء الله الحسنى. حقيقة يفيد تناول هذا المقال في طابع العمل اللغوي والأدبي عبر خاصيته التي يؤديها، وفي السطور التالية تكمن أهمية البحث في فحوى التحليل والتعليل، دون الاستيعاب وشمول كلّها في هذه العجَّالة، اللهم إلا التمثيل وتوضيح قبسات النماذج ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا:

    - تشكيل مهمات اختيار وسائل التعبير لإدراك ما يرمي إليه النَّص القرآني الكريم بخاصة في ظلال أسماء الله الحسنى تطبيقًا للسياق بالتدقيق، والتحاقًا بمقتضى الحال حسب المقال والمقام.

    - وجوب مراعاة السياق المقالي والسياق المقامي في فقه الحقل الدلالي لإسمي القاهر والقهار على ضوء النَّص القرآني الكريم.

    - توطيد الفكرة الصحيحة والراجحة في سياق إثبات الألوهية المتفردة، يوحي بالإيمان الخالص في أسماء الله الحسنى، بأقوى الحجج لنفي الشكوك، ونبذ الارتياب، حسب خصائص التراكيب.

    مشكلة البحث وأسئلته:

       يهتم البحث بكشف الغطاء عن الأسئلة المقترحة لتشكيل ما تقابلها من الأجوبة المناسبة، وذلك بإعداد البيان الكافي للهدف، والوافي للغرض في رحاب فهم كلام الله سبحانه وتعالى حجَّةً وبرهانًا، وبخاصة أسماءه الحسنى حسب السياق الطباقي والسياق اللحاقي بيانًا وتبيانًا. ومن خلال ذلك يفيد الباحث ويضيف بإمعان النظر تجاه أسئلة البحث التالية:

    • هل يحتسب استعمال أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم لمجرد الدعاء لا غير؟

    2 -كيف يمكن تحصيل مفهوم معاني دلالات أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم لتغذية العقول، وتصفية القلوب؟

    3- ما مدى إدراك المغزى في أسماء الله الحسنى حسب ما جاء من آي الذكر الحكيم، بخاصة اسمي القاهر والقهار في سياق الألوهية والربوبية عبر حقول دلالتها وأسرار البلاغة في توظيفها؟

    4 -أين يقابل السياق بمطابقة المقال والمقام في دلالات تراكيب اسمي القهار والقاهر في القرآن الكريم؟

    أهداف البحث:

    يستهدف البحث لبلوغ المقاصد، وسعى الباحث سعيًا حثيثًا لتحقيق ما يلي من المراد:

    1-مدى الإفادة والاستفادة من استعمال أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم في الجوانب المختلفة؛ دينيَّة، وعلميَّة، وبيانيَّة، وأدبيَّة وغيرها.

    2-إمكانيات الحصول على مفهوم معاني أسماء الحسنى بحقول دلالاتها وسياقات بلاغتها في القرآن الكريم.

    3-إبراز مغزى النَّص البلاغي في زاوية اسمي القاهر القهَّار بما يؤيد الغاية في الأسلوب والفكرة عبر التحاقهما وتطابقهما.

    4- تقابل السياق بالتطابق المقالي والمقامي في اسمين الجليلين؛ (القاهر والقهار) حسب توظيفهما في ظلال النَّص القرآني.

    حدود البحث:

    يستقل هذا البحث بعنوانه ومضمونه معانيَ وأفكارًا، وينهض في أنماطه وأشكاله عرضًا وتحليلًا، حيث يرتكز ويقتصر المقال في مطالبه ومراميه عبر تأويل حقول دلالات نصوص القرآن الكريم حجَّةً وبرهانًا، ولذا يتمثل هذا البحث في صورتين أساسيتين حدودًا، هما:

    1 -الحد المكاني: اقتصر البحث واختصرت الدراسة في ظلال النصوص القرآنية الكريم للشواهد المختارة كمصداق حيّ وأنموذج واقعيّ عبر الإطار النظري والتطبيقي معا.

    2-الحد الموضوعي: استوى موضوع النقاش استقلالًا في رحاب أسماء الله الحسنى بخاصة اسمي؛ القاهر والقهّار لتوضيح حقول دلالاتهما معنى ومبنى، ولاسيما ما يثبت ويبث في سياق الطباق وسياق اللحاق إعجازًا وإيجازًا.

    الدراسات السابقة:

    اطلع الباحث على العديدة من الدراسات التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بموضوع البحث الحالي، ومنها ما تلي:

    1-إزالة الاشتباه عند بعض الآيات المتشابهات؛ إعداد الدكتور أحمد بن أحمد شرشال، مقالة منشورة في مجلة جامعة السّلطان الشريف عليّ الإسلامية، مجلة سنوية محكّمة، تصدرها جامعة السّلطان الشريف عليّ الإسلامية، بدولة بروناي دار السلام، العدد الرابع 1437ه-2015م.

         استهلّ الباحث مقالته بالحديث عن أنواع الأحكام والتشابه في القرآن الكريم، ثم ركز بحثه على نماذج من الآيات التي فيها تشابه لفظي، قد ينشأ عنه الاشتباه والغلط عند حافظ القرآن الكريم في تلاوته من المحفوظ، وخلص إلى أنَّ هذا النوع من التشابه في الحقيقة ليس تشابهًا في الآيات البيّنات المفصلات، وإنَّما هو تشابه يأتي من قبل الحافظ لما هو موجود من تشابه في ألفاظ بعض آيات القرآن الكريم. ويرى الباحث أنَّه مما يعين على تفادي هذا الاشتباه أثناء التلاوة من المحفوظ زيادة العناية بتحديد فروق المستخلص في المعنى من سياق تلك الآيات المتشابهات، فإذا تمكن الحافظ من استحضار تلك الفروق سهل عليه تجنب الغلط عند تلاوتها، ومن نتائج البحث أفاد الباحث ببيانه أنَّ الاشتباه واللبس وصف متعلق بالقارئ لا بالمقروء، وبالحافظ لا بالمحفوظ، والتشابه صفة ذاتية للقرآن كلّه. وما ينبغي أن نوصف آيات البينات بالاشتباه.

        اتّفق هذا البحث بما يقوم به الباحث في هذه الصفحات حيث أنَّ القرآن الكريم هو المورد الصافي المقتبس منه لدى الباحثين عبر تحقيق الغاية البحثية المقصودة، غير أنَّ ما يرمي إليه الباحثان في لب الموضوع يختلف تمام الاختلاف. حيث يميل ذلك الباحث إلى توضيح مدى الاشتباه في قراءات بعض النصوص القرآنية، خلافًا لاهتمام الباحث في هذه السطور نحو حقول دلالات أسماء الحسنى في القرآن الكريم، مرتكزًا على اسمي؛ القاهر والقهار أنموذجا، وبين الموضوعين بُعد المشرقين.

    2-وصف ظاهرة قراءة القراء السبعة على بعض أوزان فعل الماضي المزيد في القرآن الكريم؛ دراسة صرفية تحليلية، (2016). بقلم الدكتور غمبو حسن. مقالة منشورة له في مجلة عالم للدراسات العربية؛ مجلة دولية محكّمة تصدر عن قسم اللغة العربية، جامعة إلورن، إلورن نيجيريا. المجلد الأول، العدد الثالث، 2016م.

     بعد المقدمة تناول الباحث بعض النصوص القرآنية للنماذج المدروسة، حسب أوزان الصيغ الصرفية لفعل الماضي المزيد بالتاء والألف، ودرس أوجه قراءتها، وكما تناول ما تكمن فيها من قضايا صرفية عرضًا وتحليلًا. يتلقى البحث السابق واللاحق في ظلال القرآن الكريم، وكانا طرائق قددًا خلال الضالة المنشودة في موضوع النقاش بيانًا وتبيانًا، يسعى هذا في حقول دلالية بلاغية لبعض أسماء الله الحسنى في تنزيل الحكيم الحميد، وأما ذلك فقد يحتوي في زاوية قراءة القراء السبعة عبر القضية الصرفية في مختارات النصوص القرآنية أنموذجا، ولاسيما أوزان فعل الماضي المزيد. وعلى هذا المنوال يبدو جليًّا أمام المتلقي المتذوق ما بين البحثين من الائتلاف والاختلاف.

     3-دراسة نحوية صرفية تطبيقية للأسماء الممدودة في القرآن الكريم؛ كلمة "أولياء" نموذجًا. إعداد: الدكتور أحمد شيخ مُسَاوَا؛ المحاضر بقسم الدراسات العامة (فرع اللغات) تقنية حسن عثمان كشنه، ولاية كشنه نيجيريا. مقالة منشورة له في مجلة دراسات عربية حولية، تصدر عن قسم اللغة العربية-جامعة بايرو كنو-نيجيريا. العدد الخامس عشر، الرقم الثاني، أكتوبر 2020م، خلال ص: 125-170.

       افتتح الباحث بمستخلص بحثه ومقدمته ومن ثم  تناول مفهوم كلمة الصرف لدى القدامى والمحدثين، يليه بيان أوجه الاختلاف في مصطلح كلمة "الصرف"، وفي عاقبه أورد الباحث قائمة الأسماء الممنوعة من الصرف، مع توضيح البيان عن مفهوم ألف التانيث الممدودة وأنواعها. وفي رحاب ذلك قام الباحث بتحليل كلمة "أولياء" الواردة في القرآن الكريم، ومن ثم عرض ما تفيدها حسب الحقول الدلالية. إنَّ غاية ما في هذا البحث السابقة الإشارة إلى عنوانه ومضمونه عبارة عن دراسة قضية من قضايا نحوية وصرفية للأسماء الممدودة، وخلافًا لمهام الباحث هنا حيث يستقل الهدف في مناقشة دلالات أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم، حسب سياقها بالتطابق وسياقها بالالتحاق، ومصداق حيّ على ما اختاره الباحث أنموذجا يتجسد في اسمي القاهر والقهار، وشتّان بين عنوان البحثين ومضمونهما.

    4 -تمييز الحروف العربية من حروف اللغة العربية ومعرفة قواعد الوقف وأثر ذلك في تجنب الأخطاء في قراءة القرآن الكريم، إعداد: الدكتور أُوبا حمزة؛ المحاضر بقسم الدراسات الإسلامية - كلية سعادة ريمي للتربية كنو-نيجيريا. هذه مقالة كانت منشورة في مجلة دراسات عربية حولية، تصدر عن قسم اللغة العربية- جامعة بايرو كنو- نيجيريا. العدد الخامس عشر، الرقم الثاني، أكتوبر 2020م، ص: 125-170.

        أتى الباحث بعد ملخص ومقدمة البحث بأساسية البحث، ومن ثم ولى وجهه إلى لب الموضوع الذي يحتوي تحت المطالب الثلاثة، وفي المطلب الأول خصائص لغة الهوسا ومصادر الأخطاء بين أبناءها في قراءة القرآن الكريم. وأما المطلب الثاني: عبارة عن الحروف وصفاتها. وفي المطلب الثالث والآخير: تناول الباحث الوقف والابتداء ثم الخاتمة مع نتائج البحث ومن ثم قائمة المصادر والمراجع. وقد أضاف الباحث في آخر مطاف نقاشه أن هناك حروفا متّفقًا عليها بين اللغة العربية ولغة الهوسا، وأخرى اختلفتا فيها، إما لأنَّها غير موجودة في إحدى اللغتين أو أنَّها موجودة بصفات مغايرة لما في اللغة الأخرى. وأفاد أيضا أنَّ الأخطاء الشائعة عند الهوسا توجد في حروف عربية غير موجودة في لغتهم، أو موجودة بصفات مغايرة لما في اللغة العربية. وكذلك عدم الالمام بقواعد اللغة العربية وعلم الوقف والابتداء، كان مما يوقع الطلبة في الأخطاء الشائعة في قراءة القرآن الكريم.

    كان واضحًا ما بين الموضوع المتناول لدى الباحث في مقالته المنشورة، حيث قارن وميّز بين الحروف العربية والهوساوية في موكب الابتداء والوقف أثناء القراءة، وتوضيح الأخطاء الشائعة خلال القراءة. تختلف كل هذه بأهداف الباحث في هذه البحث المستقلة، وذلك في تناول بعض أسماء الله الحسنى حسب أسرار بلاغتها وحقول دلالاتها في سياق الطباق وسياق اللحاق، وإيراد الأسلوب المناسب للفكرة المستنبطة منه بأقوى الاستدلال، مع قياس حقائق بحقائق في النصوص القرآنية المدروسة توطيدًا للغاية في اسمي القاهر والقهار، وتـحقيقًا للهدف بحسن التصرف في دلالة معانيهما.

    5- أثر القراءات القرآنية في الواقع اللغوي؛ دراسة تطبيقية في سورة القلم (2023)، إعداد الدكتور محمد الثاني هارون، مقالة منشورة في مجلَّة المعادن تصدر عن قسم الدراسات العربية، الجامعة الفيدرالية لافيا، ولاية نصراوى- نيجيريا. وموطن الاتفاق بين البحثين أنهما في رحاب دراسة النصوص القرآنية عرضًا وتحليلًا، ومدى الافتراق أنَّ موضوع النقاش في البحث السابق مرتكزًا على أثر القراءات القرآنية في صورتي المخطوطة والمطبوعة، والأمر بالعكس في هذا البحث حيث يهتم الباحث بدقة النظر نحو دلالة أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم، بخاصة اسمي؛ القاهر والقهار حسب سياق اللحاق وسياق الطباق في زاويتهما دالًا ومدلولًا.

    مناقشة لب الموضوع في رحاب التحليل والتعليل:

    عند تأمل أساليب الذكر الحكيم يرى المتلقي المتذوق مواطن أليفة بالسياق لما فيه من السياقات التي تحتاج إلى أساليب محددة وواضحة غير حمالة، تخلو من الخيال حيث أن السياق لا يحتمل ذلك، وإنما يهتم بإمعان النظر وإنعام البصر لحصول على أسرارها البلاغية بيانًا، ونيل حقيقة حقولها الدلالية تبيانًا، هذه ما يرمي إليها الباحث في المحاور التالية للنفع والانتفاع:

    المحور الأول: السياق بين مفهومه المعجمي ومدلوله الاصطلاحي

    السياق في اللغة مأخوذ من (س وق) يقال: ساق الإبل سوقًا: جلبها وطردها، ويقال: سقته فانساق، والسقة ما يساق من الدواب وسقت المهر إلى المرأة، وذلك أنَّ مهورهم كانت الإبل يقال: اتساقت الإبل، وتساوقت: إذا تتابعت، وفي حديث أم معبد "فجاء زوجها يسوق أعنزا عجافا ما تساوق". أي: ما تتابع، وذكر الزمخشري في الأساس أنّ "من المجاز: تساوقت الإبل، أي: تتابعت وهو يسوق الحديث أحسن سياق، وإليك يساق الحديث، وهذا الكلام سياقه كذا". (1) (Azzamakhshariy) وقد جاء لفظ السياق أيضا في حديث عمر- رضي الله عنه- حين قيل له: أربع خصال عاتبتك....إلى أن قال: وشكوا منك عنف السياق، ونهز الرعية، وكان مما أجاب به- رضي الله عنه- لولا ذلك لأعذرتك بعض ما أسوق،                         (Al-Barkawiy)(2) وذكر ابن الأثير أنَّ السياق: السوق والمساوقة: المتابعة(3) (Ibn Al-Atheer)، وفي الوسيط أنّ: السياق المهر، وسياق الكلام: تتابعه، وأسلوبه الذي يجري عليه. (4) (Majma’u Allugah)

    والمفهوم الاصطلاحي لدلالة لفظة (السياق): يشير إلى مجموعة العوامل التي تؤثر في اتجاه النَّص، وفي تشكيله وفي ظهوره. فالسياق العام للأثر الأدبي أو النَّص هو المجتمع والتاريخ. وهو (السياق) يعزله الناقد البنيوي الشكلي عن العالم الخارجي حتى يستطيع الوصول إلى اكتشاف التواتر أو الاطراد بين النصوص الأدبية وبين بعضها. ويعتمد عليه الناقد البنيوي التوليدي (الدينامي) من أجل فهم وتفسير الأثر أو النَّص الأدبي (Hijaziy, 41:) والواضح أنَّ المادة اللغوية تدور على الحدو والطرد إلى جهة واحدة فلا يبعد أن يكون المراد بالسياق في اللغة سوق الكلام وحدوده إلى مقصد واحد، وربما يرشح لذلك ما جاء عليه قول ربنا: )والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابًا فسقناه إلى بلدٍ ميّتٍ فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور( (فاطر، الأية:9). وقوله سبحانه وتعالى أيضا: "أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعًا" (السجدة، الأية:27)، وقوله عزَّ وجلّ في آي الذكر الحكيم: "وسيق الذين كفروا إلى جهنَّم زمرًا" (الزمر، الأية:71)، وقوله تعالى أيضا: )ونسوق المجرمين إلى جهنَّم وردًا( (مريم، الأية:86). نلحظ في هذه الآيات أنَّ المسوق جنس واحد، وانَّ الجهة المسوق إليها كذلك واحدة، فلو نقلنا هذا إلى حقل الكلام لأوجب ذلك علينا أن يكون الكلام من جنس واحد، وأن يكون على نسق واحد، ما دامت الجهة والمقصد الذي يهدف إليه الكلام واحدًا، وعليه فلا بعد بين المعنى اللغوي والمعنى الذي يريد التأكيد عليه.

    المحور الثاني: مفهوم السياق في تراث القدامى والمحدثين بين الائتلاف والاختلاف

    أولاً: مفهوم السياق لدى القدامي

    -الشافعي (ت:204هـ): عقد الشافعي- رحمه الله تعالى- باب في الرسالة سماه "باب: الصنف الذي يبين سياقه معناه" (5) (Ashaf’iy) وما من ريب في أنَّ الاستنباط الفقهي يقتضي استنطاق النصوص مع الوعي التامّ بسياقها الحالي والمقالي، ويستكشف ذلك من يطالع الأم لإمام الشافعي، وفقه النصوص.

     -أبو عبيد القاسم بن سلام (ت:223هـ): ورد السياق عنده بمعنى: المقام الذي يصاحب الكلام، وقد ورد ذلك في قوله: وهو يشرح الحديث "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" عندما قال: "وهذا الحديث ليس يجيئ سياقه ولا لفظه على هذا التفسير". (6) (Abiy ‘Ubaid) وقوله أيضا: "لا أبا لك للشيء إذا أهم، وقاتله الله، ولا يريدون به الذم، وويل للأمر إذا تم، وللألباب في هذا الباب أن تنظر إلى القول وقائله، فإن كان وليًّا فهو الولاء وإن حسن، وإن كان عدوًّا فهو البلاء وإن حسن. (6) (Al-Abiy) أي: أنّ فقه السياق الخارجي (سياق الحال) أساس لفقه النص على الوجه الصحيح.

    -الجاحظ (ت:255): جاء السياق عنده بمعنى المقام، والموقف، وذلك في قوله: "قال إسحاق بن حسان: لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع أحد قط، سئل ما البلاغة؟ قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري على وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع......إلى أن قال: فقيل له: فإن مل السامع الإطالة التي ذكرت أنّها حق ذلك الموقف؟ قال: إذا أعطيت كل مقام حقذه، وقمت بسياسة الذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنَّه لا يرضيهما شيء". (7) (Jahis)

    -ابن قتيبة (ت:276ه): ورد مصطلحا الحال والمقام عند ابن قتيبة مرادفين للسياق، وذلك في قوله: "فالخطيب من العرب إذا ارتجل كلاما في نكاح أو حمالة أو تخضيض أو صلح أو ما أشبه ذلك لم يأت به من واد واحد، بل يفتن فيختصر تارة إرادة التخفيف، ويطيل تارة إرادة الإفهام، ثم يقول: وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال، وقدر الحفل وكثرة الحشد وجلالة المقام" (8) (Ibn Qutaibat)

    -ابن جني (ت:392): ورد السياق عند ابن جني بمعنى: "تتابع الكلمات في الجملة، أو الجمل في النصوص، وقد ورد ذلك في استعمال ابن جني للفظ عندما قال: وليس يجوز أن يكون ذلك "أي تكلف ما تكلفته العرب من الاستمرار على وتيرة واحدة، وتقريها في كلامها منهجًا واحدًا تراعيه، وتلاحظه" كلّه في كل لغة لهم، وعند كل قوم منهم اتفاقًا وقع حتى لم يختلف فيه اثنان، ولا تنازعه فريقان إلا وهم له مريدون، وبسياقه على أوضاعهم فيه معنيون" (2)(Al-Barkawiy)  وورد أيضا مراد به السياق الخاص من ذلك ما أورده عقب حديثه عن مجموعة من أغراض العرب ومقاصدهم من نحو التقبل والإنكار والأنس إذ قال: "وغير ذلك من الأحوال الشاهدة بالمقصود، بل الحالفة على ما في النفوس. (9)(Ibn Jinniy) وواضح أنَّه يريد بذلك ما يحيط بظروف الكلام من أحوال خارجية. وقد أكد ابن جني على السياق المقالي، وكيف يعكس سياق الحال، حين أورد حكاية قول الأعرابية في قول الشاعر:

    تقول وصكت وجههــا بيمينها ** أبعــلـي هذا بالرحى المتقـــاعس

    إنَّ الشاعر لو قال: أبعلي هذا بالرحى المتقاعش........من غير أن يذكر صك الوجه، لأعلمنا بذلك أنَّها كانت متعجبة منكرة، لكنّه لما حكى الحال فقال: وصكت وجهها بيمينها علم بذلك قوة إنكارها، وتعاظم الصورة لها، هذا مع أنَّك سامع لحكاية الحال غير مشاهد لها، ولو شاهدتها لكنت بها أعرف، ولعظم الحال في نفس تلك المرأة أبين، وقد قيل: ليس الخبر كالمعاين، ولو لم ينقل إلينا هذا الشاعر هذه المرأة بقوله: وصكت وجهها، لم تعرف به حقيقة تعاظم الأمر لها" (9)(Ibn Jinniy)

    ثانيًا: مدلول السياق في مقياس المحدثين

    الدكتور تمام حسان: السياق عنده يرادف الحال أو المقام، وقد وسع القول في المقام جامعا بين القديم والحديث منطلقا من مقولة البلاغيين "لكل مقام مقال"، فهو يرى أنّ: "المقام هو حصيلة الظروف الواردة طبيعية كانت أو اجتماعية، أو غير ذلك في الموقف الذي تتم فيه أداء المقال".   (10)(Tamam Hassan) بل إنَّ المقام-وحده-عند تعدد المعنى للكلمة الواحدة، أو تأرجح التعبير بين الحقيقة والمجاز يحدد المعنى "فالكلمة المفردة يمكن أن تدل على أكثر من معنى، وهي مفردة لكنّها إذا وضعت  في مقال يفهم في ضوء مقام انتفى هذا التعدد عن معناها، ولم يعد لها في السياق إلا معنى واحد؛ لأنَّ الكلام، وهو مجلى السياق، لا بد أن يحمل من القرائن المقالية (اللفظية) والمقامية (الحالية) ما يعين معنى واحدا لكل كلمة، فالمعنى بدون المقام متعدد، ومحتمل؛ لأنَّ المقام هو كبرى القرائن، ولا يتعين إلا بالقرينة". (10) (Tamam Hassan)

    -جبور عبد النور: عرف السياق بأنَّه: هو مجرى الأحداث في رواية أو مسرحية، أو تسلسل أحداث مترابطة، بحيث تتألف منها حبكة ببداية وتتام ونهاية. (11) (Jaboor) وواضح أنَّه تعريف للسياق في جنس أدبي واحد، لا يصلح تطبيقه على سواه.

    -الدكتور محمد عبد المطلب: لقد عقد في كتابه (البلاغة والأسلوبية) فصلاً مسهبًا عن السياق استغرق ستا وأربعين صفحة، انطلق فيه من مقولة البلاغيين (لكل مقام مقال) و (لكل كلمة مع صاحبتها مقام) ، وبين أن فكرتي المقام والمقال في مفهوم البلاغيين مرتبطتان بالبعد الزماني والمكاني للكلام، وذلك أن الأمر الذي يدعو المتكلم إلى تقديم صياغة على وجه معيّن، إما ا، يتصل بزمن هذه الصياغة، فيسمى الحال، وإما أن يتصل بمحلها فيسمى المقام؛ لأنَّ كل كلام لا بد له من بُعد زماني وبُعد مكاني يقع فيه. وقد ذكر أنَّ فكرة المقام تمثل اليوم مركز الدلالة الوضعية، من حيث كانت مبرزة للجانب الاجتماعي الذي تظهر فيه العلاقات والأحداث والظروف المقتضية لإيراد الكلام على صورة مخصوصة، وقد بيّن أنه من الضروري لفهم نص معيّن أن يعاد تصور المقام الأصيل، وكلما كان التصور دقيقًا كان إدراك النص أيسر، وفهك علاقاته متاحًا للدارس أو الناقد.

    المحور الثالث: تحليل دلالة اسمي "القاهر والقهار" في القرآن الكريم عبر سياق اللحاق وسياق الطباق

        لفظة القهَّار جاءت بصيغة المبالغة من القاهر، ومعناها: الذي قهر جميع الكائنات وذلَّت له جميع المخلوقات، ودانت لقدرته ومشيئته مواد وعناصر العالم العلوي والسفلي، فلا يحدث حادثٌ ولا يسكن ساكنٌ إلا بإذنه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وجميع الخلق فقراء إلى الله عاجزون، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا خيرًا وشرًّا، وكونه تبارك وتعالى قهَّارًا مستلزما لكمال حياته وكمال عزَّته وكمال قدرته. وثبوت هذا الوصف لله عزَّ وجلّ يعدّ شاهدًا من شواهد وحدانيته، ودليلًا من دلائل تفرّده بالألوهية، وبطلان الشرك واتخاذ الأنداد. وقد ورد اسم الله جلّ جلاله "القهَّار" في ستة مواضع من القرآن الكريم، مضمومًا في جميعها إلى اسمي "الله" و "الواحد". يتناول الباحث كلّها في السطور التالية تحليلًا وتعليلًا، مع توضيح متعلقات معانيعها حسب السياق تطابقًا والتحاقًا، ولاسيما في حقول الدلالات، حسب خصائص تراكيبها البلاغية، ومزايا تصويرها البيانية:

    • الموضع الأول:

        ورد في سياق إبطال يوسف عليه السلام للشرك وبيان فساده وضلال أهله، مخاطبًا صاحبي السجن، وذلك في ظلال قول الله سبحانه وتعالى: )يا صاحبي السجن ءأربابٌ متفرقون خير أم الله الواحد القهار. ما تعبدون من دونه إلآ أسماء سميتموهآ أنتم وأبآؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلآ إيَّاه ذلك الدّين القيّم ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون( (يوسف، الأيتان: 39-40).

    يتبيّن في الأية الأولى الارتباط الوثيق بين بنية الجملة الاستفهامية وتركيبها التابع لبلاغة النداء، وبين المعنى البلاغي للاستفهام، فالأول يمهد للثاني، فهو بمثابة التوطئة له والمقدمة، فبالنظر إلى المعنى البلاغي للجملة الاستفهامية يكون بناؤها مكتملًا للهدف المنشود والغرض المقصود، فيأتي التقديم والتأخير متجاوبًا مع ذلك المعنى، ودالًا عليه، (يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خيرٌ) (يا صاحبى السجن آ الله الواحد القهار خير)، جاءت دلالة النَّص السابق تبيانًا لبطلان الشرك بقوله: "ءأربابٌ" أي: عاجزة ضعيفة لا تضرُّ ولا تنفع ولا تعطي ولا تمنع، وهي متفرّقة ما بين أشجار وأحجار وملائكة وأموات وغير ذلك، "خيرٌ أم الله" الذي له صفات الكمال ونعوت الجلال "الواحد" في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك له "القهَّار" الذي انقادت جميع الأشياء لقهره وسلطانه. ودلالة النَّص البلاغي في زاوية أسماء الله تعالى الحسنى، في فحوى وصفية دسمة القوى الإلهية، الذي هو القاهر فوق عباده.

    وقضيتا الربوبية والألوهية من القضايا المركزة في الفترة الأولى بين الرسل وقومهم المشركين. وفي أشباهها من ظروف الحال، كما يكشف لنا ترتيب النزول أنَّ هاتين القضيتين (الألوهية والربوبية) كان يجري الحديث فيهما على فترات من جانب المشركين، وكان يتم تناول إحداهما حينا، والأخرى أحيانا آخر. وإنَّ القرآن العظيم اتخذ في حال نزوله عدَّة مسالك لإثبات هاتين القضيتين، فالبعث إثبات للألوهية، ويلائمه المجاز، والامتنان والقدرة إثبات للربوبية تلائمه الحقيقة وهكذا (Al-Hud’ud:103) ودلالة النَّص تتناسب بسياق الطباق وسياق اللحاق عبر إثبات عقيدة الألوهية والربوبية بالبراهين القاطعة، والحجج الدامغة.

    • الموضع الثاني:

        جاء توظيف صيغة (القهَّار) في سياق بيان بطلان ما عليه المشركون من اتخاذ الأوثان والأنداد مع أنَّها لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا، ويتركون عبادة الله الواحد القهَّار وإخلاص الدِّين له. وفي هذا يقول عزَّ من قائل:  )قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أوليآء لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار( (الرعد، الأية: 16).

      ثبتت هنا حقيقة الغاية البلاغية حسب الحقول الدلالية بمصداق حيّ في سياق الطباق، أنَّ الخالق جلّ جلاله؛ الذي استطاع إبداء الخلق والإيجاد، والإبداع، هو المستحق أن يوصف بالإقهار والإفراد والوحدانية. فقد يفيد النَّص بعبارته ودلالته في براعة الاستهلال بما تفهم من السياق وقرائن أحواله، أنَّ الفاعل عزَّ وجلّ يقع منه الحدثان (الخالق والإيجاد) و (الوحدانية والإقهار)، والمفعول كذلك يصح وقوعهما عليه، فليس هنالك أيِّ دليل يرشد إلى الاستعارة لإثبات التعدد أو التشابه والاشتراك في المعنى الذي أبرزه السياق. لأنَّ أسماءه تعالى تستقل بالدلالة على المعاني وخصائصها في سياق دلائل القدرة، فترجع إفادتها في حقّ اللزوم وصدق الالتزام لتوطيد الفهم والإفهام، لفتًا إلى النظر في أحسن الصنع والتصوير، وفي أعدل الخلق والتقويم، إشارة بالإيماء للاهتمام بهذا الدليل القويّ لإثبات الألوهية في خلق كل الخلائق، وإيجاد جميع الموجودات. شأنه في علمه الشامل وقدرته الباهرة دلالة على تنزيهه عزَّ وجلّ وتعظيمه وتقديس صنعه الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. ولا يخفى على المتلقي المدقق النظر حسن النظم، وجمال الوصف، ودقة التعبير القرآني في إيراد بلاغة الأمر وتكرارها خمس مرات في أية واحدة مرتبطة ببلاغة الاستفهام في زاويتها: "قل من رب السماوات والأرض قل الله"، " قل أفاتخذتم من دونه أولياء"، "قل هل يستوي الأعمى والبصير أم تستوي الظلمات والنور"، "أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله"، فتلك الاستفهامات وإن أريد بها معان بلاغية، كالإنكار والتعجب والتقرير، فإنَّ محض المعنى هو التنبيه والإيقاظ وتحريك الفكر وإثارة الذهن، حتى يرجع إلى نفسه، فيخجل ويرتدع ويعى بالجواب، فكيف عن العناد والمكابرة (Al-Jurjaniy:151).

        وبالإعجاز البياني في الانتقال من الغيبة إلى الخطاب، ينبئ بالمعنى ويوحي به، وفي وراء أسلوب الالتفات تكمن معان سامية، وإدخال الروعة، والإشعار بأنَّ ما ذكر من الأفاعيل العجيبة في الخلق والإبداع والإيجاد من أحكام الألوهية إجلالًا وإعظامًا وإثباتًا وتقريرًا وتوكيدًا وتوحيدًا قهرًا وإقهارًا لله سبحانه وتعالى: "خالق كل شيء وهو الواحد القهار". فإنَّ معاني الأية الكريمة في الحقول البلاغية والدلالية تجلَّت في إفراد الله في خلق الخلائق، وإيجاد الكائنات، والواحد هو القهار، وكونه قهّارًا يدل على كونه واحدًا بلا ندًّا.                         

    • الموضع الثالث:

        قد استعمل في سياق التهديد والوعيد للكفار المشركين بالهلاك وحلول النقمة بهم يوم يبرزون لله الواحد القهَّار مسلسلين بالأصفاد من النار وعليهم ثياب من قطران وتغشى وجوههم النار. قال الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: "يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار. وترى المجرمين يومئذ مقترنين في الأصفاد. سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار. ليجزي الله كل نفس ما كسبت إنَّ الله سريع الحساب" (إبراهيم، الأيات: 48-51).

    يكمن في هذا الموقع بمقتضى ظاهرة الإثبات ما لاءم السياق المتظاهر ضد إنكار البعث يوم تبلى السرائر، لفتا إلى قوَّة الدليل على القدرة والبعث، فإنَّ التعبير هنا يمثل التوضيح الذي جاء في رحاب الآيات الثلاثة الكريمة التابعة لها، يثير معاني نفسية عميقة، وفيها عدّة مواطن الاهتمام بإثبات التفرد في الألوهية، والإقهار في الوحدانية. فذكر دلالتها على وحدانيته اللازم منه إبطال ما يزعمه المشركين. ثم عقب النَّص المقدّس بما يناسب حال الإنكار"إنَّ الله سريع الحساب"، تحقيقًا للبعث، وتصديقًا للجزاء، وتأكيدًا بالدليل المشاهد في السياق المقالي التحاقًا، والسياق المقامي تطبقًا، أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يتهمل بالنشور والحساب الوافي قبل الجزاء الأوفى، ولا يتمهل في الثواب والعقاب يوم تجادل النفس عن نفسها. إنَّ إيثار التعبير في مقطع الآية الأولى: "لله الواحد القهار" وفي آخر مطاف الآية الرابعة والآخيرة: "إنَّ الله سريع الحساب" يضيف في ذهن المتلقي المتذوق الاستئناف البياني، ويفيد في عقلية المتأمل المدقق السرّ البلاغي، بمواطن ارتباط المعنى المراد بين المقطعين؛ فإنَّ جلاليته تتسرع في الحساب يوم القيامة للجماعة والأفراد، تطابق وحدانيته في القهر والإقهار فوق جميع العباد وإنه لا يخلف الميعاد. وعلى هذا تلتحق دلالة النَّص الكريم في الأولى "يوم تبد الأرض غير الأرض" بغاية الفكرة في الثانية "ليجزي الله كل نفس ما كسبت"، وتحمل حقولًا متضافرة من وجوه البيان تتسم بالرونق لا تزال تلفت الانتباه في بلاغة التركيب وروعة الترتيب إذكاء لعقلية المتلقي بأقوى حجة لتثير في القلوب آيات من الرقة والدقة، ولتثبت في العقول بصورة ممتعة لا مبتذلة ولا ممتهنة في المقطع: "وبرزوا لله الواحد القهار"، ويشكل المنجز البياني في النَّص البلاغي بالاستثمار الذهني، فتزداد عناية بالغة على مدى سرعة الحساب، لتحقيق حسن الثواب للصالح، وتوضيح سوء العقاب للطالح، من الله الواحد القهار: "إن الله سريع الحساب" الواحد القهار يكون سريع الحساب على مدى سياق اللحاق.

    • الموضع الرابع:

            قد جاء النَّص البلاغي القرآني الكريم، فأفاد في سياق تقرير تفرد الله بالألوهية إذ هو القاهر فوق عباده، وفي ذلك قال الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله:

    "قل إنَّمآ أنآ منذرٌ وما من إله إلا الله الواحد القهَّار. ربّ السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفَّار" (ص، الأيتان: 65-66).

    إنَّ إيثار التعبير في بلاغة الاختصاص التابع والمرافق بأسلوب القصر في بعثة الرسول-صلى الله عليه وسلَّم-في مغزى الاستئناف البياني لمهمّة رسالته نذيرًا نحو إفراد الله تعالى، وتحذيرًا من الإشراك به، نفي الألوهية لغيره وإثباتها لله وحده لا شريك له، كان هذا ملتحقًا بكونه قهَّارًا. وفي دلالة النَّص الثاني جواب لسؤال مقدّر من النَّص الأول من جاحدٍ ملحدٍ يشك قائلًا: (كيف يكون الله واحدًا وقهَّارًا؟)، فيأتي الجواب مباشرًا مبيّنا؛ لأنَّ ألوهيته تثبتها ربوبيته في خلق السماوات والأرض وما بينهما، ووصفه بالعزَّة يصدق غفرانه لذنوب المذنبين، ويحقّق عفوه عن آثام التائبين. وتوظيف أسلوب القصر الذي يصوّر المبالغة، ويلقي المعنى أمام المخاطب مؤكدًا جليًّا حتى يستطرد السياق اللحاقي بالتطابق الدلالي إلى إثبات الغاية أنَّ الإله القاهر هو الواحد، والواحد القهار هو الله لا غير. والسياق نفسه يلائم المغزى ويناسب الفحوى بمجيئه خبريا محضًا، يقرّر هذه الحقائق بالألوهية في وحدانيته وإقهاره، ويثبت تلك الدلائل بالربوبية في خلقه السماوات والأرض وهو رب العزَّة والمغفرة، إلى غير ذلك من الدلائل البيّنات، والحجج الواضحات، التي سيقت في القرآن الكريم مبيّنة أنَّ الله عزَّ وجل هو الواحد القاهر والقهَّار الوحيد، الإله الحق والمستحق أن يُعبد ويستعان، يعفو ويغفر، يكرم ويرحم، ينصر ويرزق، وبهذا التقرير والعرض يتبيّن التلازم بين التوحيد والإيمان باسم الله القهّار الذي لا يكون إلا واحدًا. وفي تقرير هذا المعنى يقول ابن القيم رحمه الله: "لا يكون القهار إلا واحدًا؛ إذ لو كان معه كفؤٌ له فإن لم يقهره لم يكن قاهرًا على الإطلاق، وإن قهره لم يكن كفؤًا، وكان القهار واحدًا" (Ibn Al-Qoyyim:1032). إنَّ سياق اللحاق والطباق فائق ووافق في مغزى الخطاب وفحوى التركيب بتجسيد المعنى على تحقّق الأمر وإنعام النظر وإمعان البصر في بيان تنزّه الله عن الشرك والند.

    • الموضع الخامس:

    يبرز التوظيف البلاغي في سياق بيان تنزّه الله عن الشرك حيث ورد فيه هذا الاسم العظيم الأعظم، قال الحقّ الوكيل: "ألآ لله الدّين الخالص والذين اتّخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم إلَّا ليقربونآ إلى الله زلفى إنَّ الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إنَّ الله لا يهدي من هو كاذبٌ كفَّارٌ. لو أراد الله أن يتّخذ ولدًا لَّاصطفى ممَّا يخلُق ما يشآء سبحانه هو الله الواحد القهَّار". (الزمر، الآيتان:3-4).

    ومن الجدير بالتسجيل والملاحظة أنَّ المتلقى يرى الأسلوب يتلاءم تلاؤما تامًّا مع ما تهدف دلالة النَّص خبريًّا ممتزجًا بالإنشاء في جو النَّص البلاغي-هو جو التقرير والبيان، والجدل الهادي والحوار الهادف، وإثارة الفكر والوجدان، للوصول إلى تلك الحقيقة، حقيقة الإيمان الخالص بالله وحده، وبمراعاة سياق الطباق  وسياق اللحاق لدلالة معنى القهر. وعلى هذا قال ابن سعدي رحمه الله تعالى في تفسير الآية: "هذا تقرير لألوهيته، بهذا البرهان القاطع، وهو وحدته تعالى، وقهره لكل شيء، فإنَّ القهر ملازم للوحدة، فلا يكون قهاران متساويين في قهرهما أبدًا، فالذي يقهر جميع الأشياء هو الواحد الذي لا نظير له، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده، كما كان قاهرًا وحده" (Jabir:705). وفي حقول دلالة النَّص البلاغي عبر السياق المقالي والمقامي يحصل الإقرار في هذا الصدد أنَّ التوحيد حق الألوهية، والعبادة حق الربوبية لله الواحد القهار. ويفيد فحوى الخطاب والمقال أنَّ الدّين الخالص لله الواحد، وأنَّ اتخاذ الأنداد لرب العباد هو موكب الشرك والكفر والطغيان والعصيان عبر الرقود فيما لا يفيد. وفي هذا وذاك مطابقة رائعة لسياق الحال على مدى الفضل والامتنان، وبما هو ألصق بالسرّ البلاغي لتوضيح المعنى المقصود، وبطلان ما يسندها إليه المشركون والكافرون من الأنداد والأضداد، وما يشبهونه بها من الأصنام والأوثان، وما يصفون بصفاته عزَّ وجلّ، وكيف يشبه الخالق بالمخلوق، وهل يُعقل ترك القهار والاستغاثة بالمقهور؟ تعالى الله عمَّا يشركون به، وسبحان الله عمَّا يصفون بصفاته.

    • الموضع السادس:

            لقد استوى ورود اسم الله العظيم سبحانه وتعالى (القهَّار) في سياق التهديد والوعيد للمشركين يوم بروزهم لله الواحد القهَّار لا يخفى عليه سبحانه شيء من أعمالهم أو ذواتهم. قال الواحد القهَّار في كتابه الحكيم: "يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيءٌ لمن الملك اليوم لله الواحد القهَّار. اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إنَّ الله سريع الحساب". (غافر، الآيتان:16-17).

    إنَّ الله عز وجلّ هو الذي قهر جميع الكائنات، وذلت له جميع المخلوقات، ودانت لقدرته ومشيئته مواد وعناصر العالم العلوي والسفلي، فلا يحدث حادث ولا يسكن ساكن إلا بإذنه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وجميع الخلق فقراء إلى الله عاجزون، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا خيرًا ولا شرًّا. وقهره مستلزم لحياته وعزَّته وقدرته فلا يتم قهره للخليقة إلا بتمام حياته وقوَّة عزته واقتداره؛  (Assadiy:76) إذ لولا هذه الأوصاف الثلاثة لا يتم له قهر ولا سلطان.(12) (Al-Harras). له الملك وبيده ملكوت كل شيء، وله الوحدانية لا شريك له في كل شيء، وهو القهار فوق جميع المخلوقات، وبقدرته وقوَّته وطاقته يحكم بالعدالة والإنصاف، وبالتدبر والتآمل والتفكر الهادي لصاحبه يؤمن العبد أنَّه يقوم أمام ربه يوم تجادل النفس عن نفسه.

          أوثر التعبير في دلالة النَّص بذكر لفظة (اليوم) أربع مرات؛ والمرة الأولى في مطلع النَّص جاءت نكرة "يوم"، والمرة الثانية جاءت معرفة "اليوم". اليوم للجزاء، وفي اليوم نفسه لا ظلم بين الخالق والمخلوق، والله تعالى باعث العبد وسائله ويجزيه على ما قدَّم من عملٍ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر. "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار"، على جهة الانفراد والتفرد، والاستقلال والتملك والتغلب والامتنان، ولا يعجز الله تعالى شيء، والسرّ البلاغي في بلاغة الاستفهام يبرز الغاية وأوثر التعبير في مغزى الإعجاز والتعجيز، ويثبت الوحدانية لله الواحد، ويحقّق التغلب لله القاهر القهار، ويصدق الملكية لله الملك الحقّ يوم لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن فقال صوابًا. والقهار هو الواحد يوم الحساب، وسريع الحساب هو مالك الملك يوم المآب. ودلالة النَّص حسب السياق لإثبات الوحدانية، ونفي الشريك بتوطيد صفة كمال القدرة التي هي منفية لغيره، وهو رب الملكوت والجبروت والعظمة والكبرياء.

    • الموضع السابع:

        يتجلى هذا الاسم الأعظم (القاهر) عبر التقرير والعرض لبيان مدى التلازم بين إنصاف التوحيد وإخلاص الإيمان في السراء والضراء. وسياق دلالة النَّص الكريم هنا أفاد وأضاف في إثبات جلالته وقدرته سبحانه وتعالى فوق جميع الكائنات والمخلوقات، ومن لازم الإقرار بتفرده بالقهر، يستحق أن يُفرده وحده بالعبادة في سرّه وجهره، ويتقن بإيمانه أنَّه كاشف الضر الناصر المنتصر كلما قصده القانت المستنصر. ومصداق حيّ على ذلك مكتمن في قوله تعالى عزَّ من قائل:

    "وإنْ يمسسك الله بضرٍّ فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخيرٍ فهو على كل شيء قدير. وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير" (الأنعام، الآيتان:1718).

     يكتشف المعنى بسياق الحال وسياق المقال تآرزًا في أداة الشرط عن وسال الترابط في السياق، وبين أنَّ ما يجعل السياق سياقًا مترابطًا، إنَّما هي ظواهر في طريقة تركيبه ورصفه، لولاها لكانت الكلمات المتجاورة غير آخذ بعضها بحجز بعض في علاقات متبادلة تجعل كل كلمة منها واضحة الوظيفة في هذا السياق. أوثر التعبير هنا بلاغة القصر في الاستئناف البياني نفيًّا وإثباتًا للاختصاص أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الواحد القادر الكاشف عن الضرر، والمعطي النافع القادر على كل شيء، وبغزارة المعنى بالتعادل والتكامل حسب سياق اللحاق إنَّ المولى القاهر فوق عباده هو الحكيم بشؤونهم، والخبير بأمورهم، إذا لم يكن واحدًا قاهرًا فوق عباده كيف استطاع أن يمس العبد بضرّ ما لا كاشف له؟ وكيف إذا لم يكن قهّارًا واحدًا أن يمسّ عبدًا بخير ما لا رادّ لفضله؟. إنما ينتهي القهر للواحد القهّار، ولا لأحد سواه. وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، إنَّما هو الغني المولى، وجميع المخلوقات فقراء إليه، عاجزون عن الاستغناء عنه. وتعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.

    • الموضوع الثامن:

        تنهض عظمة هذا الإسم الأعظم (القاهر) في سياق الإقرار بقدرته ربوبيًّا، والإقرار بجلالته ألوهيًّا على ضوء ما جاء توظيفه في آي الذكر الحكيم حيث قال الله الحقّ الوكيل:

    "وهو الذي يتوفَّاكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنَّهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجلٌ مسمّى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون. وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظةً حتَّى إذا جآء أحدكم الموت توفَّتْه رُسلنا وهم لا يفرطون" (الأنعام، الآيتان:60-61).

    إنَّ الجدل كان في الربوبية أكثر منه في الألوهية، وذلك أنَّ الإقرار بالربوبية يفضي ختما بالإقرار بالألوهية، لذا لم يقروا بالربوبية، وثبوت صفاته عزَّ وجلّ يعدّ شاهدًا من شواهد وحدانيته، ودليلًا من دلائل تفرده بالألوهية، وبطلان الاشتراك به في جميع تصرفاته، وفي كل شؤونه. ومن أجل ذلك كثر التعبير عن أثر الماء بالأسلوب الحقيقي (20 موضعا من 30 موضعًا)، وشيء آخر هو أنَّه لم يدع الإحياء مدَّعٍ، وإنَّما يكثر الادعاء في الإثبات، وهذا ما كان عليه مشركو مكة. هذا والتوحيد حق الألوهية، والعبادة حق الربوبية، والتوحيد يحصل بالإقرار به مرَّة باللسان مصدقًا لما في القلب، أما العبادة فيتكرر وقوعها، فناسبت القلة ما لا يتكرر، وناسبت الكثرة ما يتكرر، كما أنَّ الإنعام والامتنان سبيل إثبات الربوبية، والإحياء سبيل إثبات الألوهية. (الهدهد:104). وحقيقة دلالة النَّص في هذا الرحاب تنفي وترد تساوي المخلوقات المقهورة بالله الواحد القهَّار؛ "وهو القاهر فوق عباده"، وكيف تسوّى الكائن الحي الذي ينام بالله عزَّ وجلّ الذي لا تاخذه سنة ولانوم؟ وكيف يشبه الكائن الذي يمرض ويشفي ويموت بالحي القيوم الذي يحيي ويميت؟ الله الواحد القهّار الذي يتوفى الأنفس حين موتها، تعالى الله عما يشركون به من الأنداد، وسبحان الله عما يصفون بصفاته من العباد. فإنَّ السياق هنا يتطابق ويلائق بفضل الله ومنّه على جميع الخلائق؛ يحفظهم ويرعاهم بكمال القدرة في ألوهيته وربوبيته.

    الخاتمة:

        تتجلى قبسات الإثارة البيانية القيم العلميّة في هذا البحث، عبر توجيه الأفكار الأدبية، حيث تمتد أبعاد المعنى في دراسة النصوص البلاغية المقدَّسة من آي الذكر الحكيم، لإمعان النظر نحو الأمور التي يجب الالتفات إليها، وإنعام البصر تجاه بعض القضايا المهم الانتباه فيها، ولاسيما المتلازم بين اللواحق والتطابق بعمدة المقاصد وأجلّها، حسب التنافر في السياق وطرق الاستعمال في ظلال النَّص القرآني الكريم. ومن الفكري ما عقده الوحي الكريم على مدى توظيف أسماء الله الحسنى بقوَّة التنظيم، وجودة الترابط على دقة التناسق بين الفكرة والأسلوب، مع فهم البنية الصحيحة حيث تعاطى الصّرح البلاغي فأقامه على الذوق والملكة في عقلية المتلقي، فتتبع تتبعًا واعيًّا ما يتميّز به كلام الله سبحانه وتعالى من سموّ ولباقة وجلالة، وتبرز الحقائق الربانية في توضيح دلالات أسماءه الحسنى الكامنة في آي الذكر الحكيم، لتغذية عقول الباحثين والدارسين، وتوطيد قلوب المؤمنين المواحدين، بمواطن المنجز الفكري والاستثمار الذهني نحو الاستنباط وربط الأحكام، لتحصيل الغايات العلمية بأنماطها، حيثما يتبيّن المقصود بالدليل العقلي حسب خصائص التركيب في زاوية الاسمين بالصيغتين؛ (القاهر والقهَّار)، وموكب دلالة التلازم بين التوحيد والإيمان بما أقام القرآن الكريم إعجازه الفكري والبياني على أسس وطيدة، تكمن غاياتها في إشراق درر المعاني الزاهية، حسبما تناولها الباحث في السطور السابقة.

    نتائج البحث:

    حاول الباحث ببذل الجهد نحو إبراز نتائج البحث تحت النقاط الآتية:

    1-إثبات مدى التلازم بين التوحيد والإيمان باسم الله القهار في حقول دلالته وفقًا بالسياق والتطابق حجّةً وبرهانًا.

    2-إبراز ثنائية معاني بعض أسماء الله الحسنى في القرآن الكريم مع توضيح خصائص تراكيبها بالذوق والملكة.

    3-تصوير مواطن التطابق وأماكن اللحاق بين اسمي القاهر والقهار بمراعاة سياق المقال والمقام لتوطيد الغاية الكامنة في البنية والوظيفة.

    4-البيان الكافي عن مفهوم السياق لدى القدامى والمحدثين لتوضيح معناه معجميًّا واصطلاحيًّا.

    5-عرض المواضع الست التي تدل دلالة ظاهرة على التلازم بين اسميه تعالى الواحد القهار، أنَّ الواحد لا يكون إلا قهّارًا، والقهّار لا يكون إلا واحدًا، وهذا ينفي الشركة ويبطل اتحاذ الأنداد لرب العباد.

    6-إظهار السياقات المتعددة في  المنجز الذهني لتحليل اسمي القاهر والقهار في أنماطه معانيًّا وأفكارًا على مدى تنزّه الله سبحانه وتعالى عن الشرك.

    7-بيان ملامح إنجازات بعض أعلام البيان العربي الإسلامي الذين قاموا واستقاموا على الطريقة لتوضيح السرّ البلاغي في زوايا أسماء الله الحسنى، ولاسيما الواردة من تنزيل الحكيم الحميد تحليلًا وتعليلًا.

    قائمة المصادر والمراجع:

    1. Jarullah, A., & Mahmud, B. (1402 AH). Foundations of Rhetoric (Tahqeeq: A. R. Mahmud). Dar Al-Ma’rifah, Beirut.
    2. Abdul-Fatah Al-Barkawiy, M. (1993). Indications of Context Between Heritage and Modern Linguistic Science (First edition). Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah, Beirut, Lebanon.
    3. Ibn Al-Anther, B. Z.-Q. (1403 AH/1983). Rules of Morphology and Syntax (First edition, preserved for the author).
    4. Arab Language Academy. (1999). Al-Mu’jam Al-Waseet (Second edition). Cairo.
    5. Muhammad Idris Abu Ismail Ashaf’iy. (2001). Ar-Risalat (Second edition). Al-Halabiy Publishing, Cairo.
    6. Al-Abiy, I. (2006). Sharh Sahih Muslim (Third edition). Dar Al-‘Uloom for Publishing, Translation, and Distribution, Riyadh, Kingdom of Saudi Arabia.
    7. Al-Jahis, A. A. (n.d.). Al-Bayan wa At-Tabyyn. Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah, Beirut, Lebanon.
    8. Ibn Qutaibat. (1927/1362 AH). Explanation of the Difficult Parts of the Qur’an. Dar Al-Turath, Cairo.
    9. Ibn Jinniy. (1955). Al-Khasa’is (Edited by M. ‘Ali An-Najjar). Dar Al-Kutub Al-Mishriyyah, Cairo.
    10. Tamam, H. (1987). Arabic Language: Its Meaning and Structure. Al-Aheihat Al-Mishriyyat Al-‘Ammah li Al-Kuttab.
    11. Jaboor, ‘A.-N. (1984). Literary Dictionary. Dar Al-‘Ilm Lil-Malayeen, Beirut, Lebanon.
    12. Al-Harras, A. B. M. (1441 AH). Sharh An-Nuniyyah Lil-Harras. Matba’at ‘Aeiyn Li-Addirasat Wal-Buhuth, Cairo.

    - Al-Ashfa’haniy, A. (1961). Al-Mufradat fi Al-Gharib Al-Qur’an (Edited by M. S. A. Kelaniy). Matba’at Mustopha Al-Alabiy.

    - Sameer Sa’id Hajazy. (1997). Glossary of Contemporary Literary Criticism Terms (Second edition). Dar Al-Ma’arif Li-Tahqeeq Al-‘Uloom, Beirut, Lebanon.

     

                                             

     

     

Volume 3, Issue 3
Summer 2025
Pages 201-207

  • Receive Date 11 May 2025
  • Revise Date 15 June 2025
  • Accept Date 05 July 2025
  • Publish Date 01 September 2025