Issued by Alnoor University

The aesthetics of ugliness in Jarir’s poetry

Document Type : Original Article

Author

Department of Arabic Language, College of Arts, University of Mosul, Mosul, 41012, Iraq

Abstract
The study aims to define the term aesthetics of ugliness in the poetry of Jarir, who was an outstanding poet of the Umayyad era, and whose poetry is characterized by biting sarcasm. Because it is one of the pillars of the antithetical satirical triangle of that era, and his collection contained complex poetic purposes, and was given priority over others. Because of its creativity, diversity, and abundance, it was chosen. Ugliness appears in Jarir’s poetry for many purposes, whether satire, praise, or in prosaic introductions, especially as he weaves his poems and molds them into formations of sarcasm, horror, begging, and myth. With its ugly background that exploits the frightening unseen with the ugliness of space-time, all of this came in a creative manner that shaped the poetic experience and imbued it with colors of creative beauty, and the possibility of combining ugliness and its opposite, beauty, in poetic texts and in one context and a comprehensive image. This term is problematic because of the contradiction between its two pillars. The method of effective skill in formulating poetic production is to employ ugliness and make it an aesthetic literary mat.

Keywords

Crossmark

 

 

 

مجلة النور للدراسات الإنسانية

https://jnh.alnoor.edu.iq/

 

 

 

جماليات القبح في شعر جرير

 

خالد فارس خليل

قسم اللغة العربية ، كلية الاداب ، جامعة الموصل ، الموصل، 41012، العراق

 

Article Information

 

المستخلص

Article history:

Received: 19 August 2024

Revised: 7 October 2024

Accepted: 23 October 2024

 

        تهدف هذه الدراسة إلى تعيين مصطلح جماليات القبح في شعر جرير, وهو شاعر فحل من شعراء العصر الأموي, ويمتاز شعره بالسخرية اللاذعة؛ لأنه أحد أركان المثلث الهجائي النقائضي في ذلك العصر, وقد استوعب ديوانه أغراضاً شعرية متشعبة, وقُدِّمَ على غيره لإبداعه وتنوعه وغزارة نتاجه؛ لذا وُضِعَ المبضعُ على شعره وجرى اختياره. والقبحُ  يتمظهر في شعر جرير بكثير من الأغراض سواء أكانت في الهجاء أو المديح أو الرثاء, ولاسيما أنه نسج قصائده وقَولَبَها في تشكيلات متعددة, موظفاً الأسطورة والرعب والاستجداء والقبح المعنوي وقبح الفضاء الزمكاني, فجاء ذلك كلُّه بأسلوب إبداعي شكل التجربة الشعرية وأسبَغ عليها ألوان الجمال الإبداعي, وبيان إمكانية اجتماع القبح ونقيضه الجمال في النّصوص الشعرية وفي السِّياق الواحد والصورة الجامعة, وما مثله المصطلح من إشكالية بسبب التناقض الحاصل بين ركنيه, والمهارة الفاعلة في صياغة النتاج الشعري في توظيف القبح وجعله مادة جمالية أدبية.

الكلمات المفتاحية:جمالية، قبح، خرابة، تسول، مساحة

Keywords:

Aesthetic

 Ugliness

 Ruin

 Begging

 Space

Corresponding Author

خالد فارس خليل [email protected]

 

 

 

DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v3.i3.a8, ©Authors, 2025, College of Education, Alnoor University.

This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).

             

 

The Impact of The Scamper Strategy on Developing Design Thinking Among Fourth-Year High School Students in Biology

 Kh. F .Khalil    

Abstract

The study aims to define the term aesthetics of ugliness in the poetry of Jarir, who was an outstanding poet of the Umayyad era, and whose poetry is characterized by biting sarcasm. Because it is one of the pillars of the antithetical satirical triangle of that era, and his collection contained complex poetic purposes, and was given priority over others. Because of its creativity, diversity, and abundance, it was chosen. Ugliness appears in Jarir’s poetry for many purposes, whether satire, praise, or in prosaic introductions, especially as he weaves his poems and molds them into formations of sarcasm, horror, begging, and myth. With its ugly background that exploits the frightening unseen with the ugliness of space-time, all of this came in a creative manner that shaped the poetic experience and imbued it with colors of creative beauty, and the possibility of combining ugliness and its opposite, beauty, in poetic texts and in one context and a comprehensive image. This term is problematic because of the contradiction between its two pillars. The method of effective skill in formulating poetic production is to employ ugliness and make it an aesthetic literary mat.

 

 

 

 

 

جماليات القبح (نظرة حول المصطلح)

       يمتلكُ القبحُ دلالة سلبية؛ لأنه مضادٌ للحسن، ونحتاج قبل الشروع في تأصيلاته الاصطلاحية إلى الإشارة لدلالته المعجمية, فالقبحُ ضد الحُسن، والفعل قَبَحَ يقبحُ قُبحَاً وقُبوحا وقباحةً وقبوحةً، والاستقباحُ ضد الاستحسانِ ابن منظور(1), ولا يَشطُّ المعنى المعجمي عن المعنى الاصطلاحي في دلالته الضدية للحسن، فالقبح "شأنه شأن الهجاء يندرج تحت مظلة الملهاة (الكوميديا) ويصعب تعريفه تعريفاً مقبولاً إذ تتغير معانيه من حقبة إلى حقبة"(الرويلي والبازعي(2) فهو يتنوع بتنوعات التوجه المعنوي له، والقبح في الشرع كل ما حُرِّم فـ" القبح ضد الحسن .....وقبّحه الله نحّاهُ عن الخير، والاستقباح ضد الاستحسان " (3) والقبح في المنظور النقدي نسبيٌ, ونسبيتهُ منوطة بالتقلبات الزمانية والمكانية والاجتماعية المحيطة به، وتختلف في رؤية الناس وثقافتهم, فالقبيح عند بعضهم قد يكون أقل قبحاً عند بعضهم الآخر, ويتمظهر في عدم الانسجام "لأن النفس إنما تحب الملائم على الجملة، وهو معنى الخير، وتكره المتنافر وهو معنى الشر" عطا(4) في حين أنه في رأي آخر لا يقع في ذات الشيء بل يتصل باعتبارات في الأشياء الخارجة لا في نفسه، فلا يوجد قبح إلا باعتبار, ولما ذكر ابن رشيق سمات الشعر, جعل من فضائله الكذب بقوله " إن الكذب الذي اجتمع الناس على قبحه حسن فيه"القيرواني(5) وإلى هذا الرأي ذهب ابو هلال العسكري فأعد الكذب كذلك من أهم ضروريات رِفعَة الشعر، وأنه قبيحٌ لكنه في الشعر جميل العسكري(6) وذكر التوحيدي في تبيان مصادر الحسن والقبح بأنها كثيرة ومنها الطبيعي والشرعي والعقلي وبالعادة والشهوة التوحيدي(7) فالقبح يكادُ يتسعُ في كل ما هو "هزلي، مقزز، مشوه، غير طبيعي، عبثي، مسرف في الخيال والوهم، جامع بين الهزلي والمرعب"الرويلي والبازعي(2) أما ارتباط القبح بالفن, فبعضه ضروري فيه ، لكونه في كثيرٍ من الأحيان ركيزة من ركائز الحياة (جوبو,1965م,149) والحياة والطبيعة مجردة من الجمال إلا " عندما يُنظر إليها من خلال فن من الفنون، أو عندما تكون تُرجِمت إلى لغة أو أعمال قد ابتدعتها عقلية أو شكلها فن" مطر(8)، صفحة والقبح له إيقاع فاعل داخل النص الأدبي, فدراسته تخضع للانزياح الشعري؛ لكونه يقف بالضد من الجمال, وهو يوقع الناقد والمبدع في مطبات الألفاظ القبيحة والصادمة التي لا يتقبلها الكثير من أفراد المجتمع "فالقبح بنية مركزية فاعلة في الشعر وتتصل بإدراك الشاعر وتمثله للوجود بأشيائه وكائناته" البزور(3) وقد تكون الصعوبة الأولى في عدم وجود ألفاظٍ أو دلالات خاضعة للقبح في بعض أشكالها, إلا أنها تدخل في أطر التنوع الثقافي لدى المبدع/ الشاعر والمتلقي/ الناقد, وذلك لأنَ الثقافةَ خاضعةٌ للزمن الذي أُنتِج فيه النصُ الشعري, وأضحى مُتَقَبلاً في الأوساط الاجتماعية ولدى جمهور المتلقين, ولاسيما الألفاظ الحسية التي يبُثها الشاعر دون حرج, ربما لأنه يعلم أن المتلقي سيتقبلها سامعاً وحافظاً دونما اكتراث لدلالتها الفاحشة, وللنقاد القدامى رأي في المسألة, ومن ذلك قول ابن قتيبة "وإذا مرَّ بك حديثٌ فيه إفصاح بذكر عورةٍ أو فرجٍ أو وصفِ فاحشةٍ, فلا يحملنك الخشوع أو التخاشع على أن تصعر خدَّك, وتُعرض بوجهك, فإن أسماء الأعضاء لا تؤثِم" (الدينوري(9) إذن ذِكرُها ليس بالإثم فهذه الألفاظ - بحسب ابن قتيبة- لا قبح فيها, إنما القبح يكمن في سياق استعمالها "وإنما المأثم في شتم الأعراض" (الدينوري(9) وكتب الأمثال صاخبةٌ بالألفاظ الصريحة المكشوفة طه(10) فتكون الدلالة القبيحة مختلفة من زمان إلى آخر, فإننا لا نتقبل الألفاظ الصريحة إلا بالتكنية والتعريض, بينما هي عندهم صريحة لا ضير فيها, ولا تكون قبيحة إلا إذا سيقت في سياق هجاء مقذع, ويكون هذا اللفظ شاحناً النصَ الشعري بالجمال, "ولا تعني جمالية القبح كما يُخيل إلى بعضهم, تحويل القبح إلى جمال, أو نفي القباحة عن الموضوع القبيح ... وإنما تعني التركيز على الطاقات الإيحائية والتأثيرية التي يمكن أن يختزنها الموضوع القبيح, أو يمكن أن يُتَكَشَف عنها في التشكيل الفني" كليب(11) وتختلف النظرة زمانيا ومكانيا وثقافيا للجميل والقبيح فقد يكون الشيء متصفاً بالجمال جداً في عين شخصٍ في ساعة معينة , بينما يكون قبيحاً في عين شخصٍ آخر في الوقت ذاته, وربما يكون الأمرُ جميلاً في عين المتلقي/القارئ الواحد في لحظة ما, وقبيحا في أخرى وذلك تبعاً لتغير طبيعته المزاجية, والفيصلُ ما ذهب إليه أرسطو عندما تبنى "أهمية إتقان الصَّنعة في أي عمل فني بغض النظر عن موضوعه, فهو يرى أن دقة المحاكاة تؤدي إلى السرور بها حتى لو كانت الأشياء في الواقع قبيحة منفرة"إسماعيل(12) فيكونُ أرسطو أول من أعطى للإبداع الفني مكانته بغض النظر عن جمال مضمونه أو قبحه, وهو بذلك قد خالف افلاطون الذي ربط القبح والجمال بالأخلاق, بحيث يبدو كل ما هو خير جميلاً, وكل ما هو شر قبيحاً إسماعيل (12), ويمكن القول أن الإبداع الشعري لا يخضع لقوانين قبح المضمون وجماله, إنما لجماليات التجربة الشعرية, ومهارة الشاعر وإتقانه لشعره وإبداعه في محاكاة الواقع بصياغة خلّاقة تجعلُ المتلقي يستشعرُ تلك الصياغة ويطربُ لها دون التأثر بقبح المضمون, والشعرُ القديمُ كان يمثلُ الحياةَ بغثِّها وسَمِينها, فتنبعث التجربة الشعرية من الحياة المُعاشة التي ينضوي تحت كنفها الشاعر, ومنها يرتشفُ, لا تحكمه إلا عفويتُه, ويصوغُ هذه التجربة بإبداع جمالي يحاكي الحياة بتشعب أبعادها وتنوع أشكالها, وجرير من الشعراء الفحول وهو ثالث الأثافي الذي عليه نضج قِدرُ الإبداع الشعري في العصر الأموي مع خصميه الفرزدق والأخطل, وجرير ينتمي إلى أصل نَسَبيٍ متواضع لا يضاهي بعض خصومه (الأصفهاني,1986 م, 7/35) وهو ما انعكس على شعره في شدة الإقذاع اللفظي والصُوَري, وهو كذلك ما جعل شعره يميلُ إلى توظيف اللفظ والمعنى القبيحان ويلبسهما لَبُوسَاً شعرياً إبداعياً بمهارة في الابتكار المُشَكّلِ بلوحات فنيةٍ تستثمرُ القبيح بتقنيةٍ جمالية, وتُقدِّمُ الخصم بفكاهيةٍ ساخرةٍ لاذعةٍ, وقد تمظهر الجانب الجمالي للقبح داخل شعره في صور عديدة, منها القبح الأسطوري لما تمثله الأسطورة من بعد ميتافيزيقي مجهول, وهذا المجهول المقترن بالموت كالهامة والصدى وغيرها, يكون مبعثاً للخوف ومدعاةً للقبح, إلى جانب بعض السلوكيات القبيحة التي اتسم بها شعر جرير كالاستجداء وهو ما أشار إليه العديد من النقاد ولمسه البحثُ في شعره, ولأنَّ جريراً من شعراء المديح كان لزاماً عليه أن يرسمَ نسقاً مرعباً كالهالةِ التي يُحيط بها مُخاطَبيه جاعلاً منهم تشكيلا يزرع الهلع في الخصوم بمراوغات ومبالغات لا يستسيغها المتلقي لو لم تكن شعراً بارعا, وتوهجَ التوظيفُ الجمالي للقبح المعنوي الذي يطَّردُ في شعره كثيراً؛ لأنه من شعراء الفن الهجائي اللامعين, فهذا الحقل يستند إلى حقل دلاليٍ واسعٍ ومتشعبٍ ومتنوعِ الأساليب والصور والتوظيفات, وكان لقبح الفضاء الزماني مساحة لابأس بها في معالجاته الشعرية لتقلبات الزمن من ضعف وهرم وشيب وهجران, مع القبح المكاني المتجذر في الوقوف على الأطلال وما يصاحب هذا النمط الفني من اقفرار وخراب وانصرام بعد اتصال, فكانت هذه التشكيلات متواشجةً في شعر جرير, مرسومةً بريشةِ فنِه  المُمتلك لمقوماتِ الإبداع, وبتقنية جمالية مُبهرة, وانطلاقاً من هذه التمظهرات التي شكلت مهيمناتٍ في شعره, قُسمَ البحثُ ورُسمت ملامحُه.

أولاً: القبحُ الاسطوري

     تمثلُ الاسطورةُ حقلاً ظاهراً في شعرِ جرير، فهي ذاكرةٌ راسبةٌ في العقليةِ الجمعيةِ لأي مجتمع، والمجتمعُ العربيُ لم يكن موغلاً في الاسطورةِ كما هو شأنُ غيره من المجتمعاتِ المحيطةِ به (اليونان والفرس), إلا أنها حاضرة غير مُنعدمة, فالأسطورة "هي محاولة الإنسان الأول في تفسير الكون تفسيراً قوليا....محاولة لتفسير ظواهر الوجود وربط الإنسان بها"  خورشيد(13) ، وهذه المحاولاتُ والأقاويلُ تعدُّ رواسبَ أسطورية شكلت الإبداع الفني للشعراءِ لبقائها في الذهن بغضِّ النظر عن إيمان الشاعر/المبدع بها أو عدمه لأنَّ "الأسطورة نص أدبي وُضع في أبهى حُلةٍ فنية ممكنة" السواح(14), فكانت اسطورةُ الشاعرِ مرتبطةً بالعقليةِ المجتمعية المتبقية، فالثأرُ- مثلا- كان جزءاً من الحياةِ العربية، فارتبطت اسطورة الهامةِ والصدى به، وأن طائراً يخرجُ من رأسِ المقتول يصرخ ويصيحُ, أو أن الروحَ بحسب المسعودي تنبسط في جسم الإنسان, فإذا مات تبقى تطوف به على صورة طائر يصدح على قبره المسعودي(15), وهذه الاسطورةُ بقيت شاخصةً في الشعر الأموي، ومع كونها موروثاً جاهلياً لا يرتكز إلى علمٍ، لكنها بقيت في عقلية الشعراء تتردَدُ في أشعارهم كلما سنحت الفرصةُ بذلك، ومعظمُ ما جاء في سياقِ الاسطورة يتصفُ بالقبحِ؛ لأنّه مخيف ويتصل بعالمٍ مجهولٍ غير مُستحبِ للنفسِ البشريةِ، والقبح يستند إلى" الغرابة أو الغربة التي تنطوي على سمة الهزل أو الرعب أو الاثنين معاً" الرويلي والبازعي(2) وجريرُ كان يتلاعبُ في التوظيفات الأسطورية, فمعظمُها جاء هزلاً وفي سياق الاستهزاء والهجاء, ومن ذلك قوله   جرير(15) :   

سيُبكي صدىً في قَبرِ سَلمى بنِ جندلِ

 

نكاحُ أبي الدَّهماءِ بنتَ سعيدِ

      القبرُ مكانٌ موحشٌ والموتُ انقطاعٌ لا عودة فيه ولا اتصال بالحياة بعده، لكنِّ جريراً جعل الفعل الممزوجَ بالأسطورةِ مدعاة لإفزاعِ الميت وإرعابه بإدراكه الفعل/ نكاح أبي الدهماء وكأنه حيٌ يعلم قبح الصنيع، فزواجُ أبي الدهماء سيجعلُ قبر سلمى بن جندلٍ مرعوباً ويخرجُ صداهُ صارخا من سوء الفعل، والصدى الباكي الخارجُ من رأسِ الميت الراقد في قبره، ما هو إلا إيصال في معرض القبح, بصورة تهكمية ساخرةٍ، وتأخير الفاعل / نكاحُ إلى عجز البيت جعلت البيت يعجُّ بالهجاء والتحقير للمهجو، فحقارته حرَّكت الميت وأفزعت قبره, ومن ذلك قوله جرير(15):

يَبكي صَداهُ إذا تهزَّمَ مِرجَلٌ

 

أو إن تثلّم بُرمَةٌ أعشارُ

      رسمَ ببيتٍ واحدٍ صورةً جماليةً في مقاطعَ متواشجةِ، كل مقطع يشي بصورةٍ فيها قبحٌ وصَفَه بجمالية تسير في نسقِ السخرية والتهكمِ، يتكئ صدر البيت على التوظيف الأسطوري للصدى، فالمهجو يصرخُ صداهُ عند سماعِ غليانِ القدرِ أو تشققه، إشارة لمهنة أبي المهجو، فهو تعريضٌ بأسلوبٍ ساخرٍ فيه إقذاعٌ وإهانةٌ، وهذه الإشارةُ تنقلُ صورة المهجو/ الفرزدق وهو يَحنُّ إلى مهنةِ الحدادةِ على الرغمِ من موتهِ ورقودهِ في قبره, وفي معنىً آخرَ يمزجُ فيه الجمالَ بالقبحِ  يقول جرير(15):

قَلبي حَيَاتي بالحِسانِ مُكلَّفٌ

 

ويُحِبُّهُنَّ صَدايَ في الأصدَاءِ

        ينتقلُ بمهارةٍ من الحيويةِ والجمالِ والعشقِ إلى الموتِ والصدى، هذه الانتقالةُ والمفارقةُ بين الحيوية والموتِ، حركت المشهدَ بإخفاء القبحِ و إظهارِ الجمالِ، بأسلوب المبالغةِ في حبِ النساءِ وديمومتهِ بعد الموتِ، فجاء الصدى في سياقِ التشكيلِ الحيوي للحبِّ والعشقِ، في حين أنه يختزن فكرة الخوف والحزنِ.

      ومما جاء في الأسطورةِ كسوفُ الشّمسِ, وهو أمرٌ بقيَ متخللاً العقلَ الجمعيَ العربي، ويكونُ حدُوثه مرافقاً لموتِ العظماءِ من الناسِ، ليربط بين أمرين كلاهما جللٌ عظيمٌ، فاختلالُ المنظومةِ الكونيةِ مصاحبٌ لفقدانِ عظيمٍ بحسبِ منظورِ الشاعرِ والمجتمعِ، فكسوف الشمس وما وردَ في العقليةِ الجاهليةِ من الأساطير بقيت في أشعارِ الأمويين على الرغمِ من تَفنيدِها من قبلِ الرسولِ صلى الله عليهِ وسلم الذي نهى عن ذلك بقوله " إن الشَّمسَ والقمرَ لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لِحَياته فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله" (العسقلاني,1996م,3/630) وفي ذلك يقولُ جرير في رثاء عمر بن عبد العزيز جرير(15):       

حُمّلتَ أمراً عظيماً فاصطَبرتَ لهُ

 

وقُمتَ فيهِ بأمرِ اللهِ ياعُمَرا

فالشّمسُ كاسفةٌ ليسَت بطالعةٍ

 

تبكي عليكَ، نجومَ اللّيلِ والقمرا

      موتُ الخليفةِ أمرٌ عظيمٌ اختلت له موازينُ السمواتِ، فالشّمسُ كُسِفت ولم تُشرق حُزناً وبكاءً على الفقيدِ، والنّجومُ غائبةً عن الطلوعِ مع القمر، ففي البيتِ الشعري تقديمٌ وتأخيرٌ، فالشمسُ كاسفة ونجومُ الليل مع القمر غائبين، فاستعار البكاء للشمسِ، فخفت نورُها وعَشِيت عينُها، فيكونُ قد شكل البيتَ بالبعدِ الأسطوري المرتبطِ بالكسوف, ويتكررُ التوظيفُ الأسطوري للكسوف المصحوبِ بموت صاحبِ شأنٍ عظيمٍ عند الناس بقوله جرير(15): 

وإنّ الحواريَّ الذي غرَّ حَبلُكُم،

 

لهُ البدرُ كابٍ والكواكبُ كُسَّفُ

      جماليةُ القبحِ فيه تتمظهرُ إلى جانب التوظيفِ الأسطوري في قوله ( غرّ حبلكم) ففي هذا التركيبِ إشارة إلى كونكم غررتم به وغدرتموه فالحبلُ كناية عن الوصل الذي قطعتموه، ليستعير للقمرِ صورة الإنسان الذي يكبو على ركبتيه حزناً، وتكسفُ الكواكبُ له، بهذه المبالغةِ الصورية الممزوجةِ بجمالية الوصف و فكريةِ الاسطورةِ رسمَ الوصف المَهُول لفعل المهجو    (حبلكمُ ) كناية عن نصبهم الشرك له بعدما طَمأنوه وأغروه بالحمايةِ والنجدة, فجعلَ البيتَ يمزجُ بين الجمالِ الفني وقبح الفعلِ والأسطورةِ؛ ليكونَ تأثيره في المتلقي تأثيراً فاعلاً.

       وقد ورد في أساطيرِ العربِ أشياء طريفة عن نكاحِ الكواكبِ، منها ما أورده الميداني في كتابه " أنَّ الدُبران خطبَ الثريا، وأرادَ القمرُ أن يزوجه، فأبت عليه، وولّت عنهُ، وقالت للقمرِ ما أصنعُ بهذا السُّبروت الذي لا مالَ له...." (الميداني, د.ت, 2/354) ولهذا نجدُ مجيء الكثيرِ من هذه التوظيفاتِ الأسطورية في الشعر الأموي، وربما لأنَّ الحياة في ذلك العصرِ على تواصلٍ مع مختلفِ الدياناتِ ولاسيما الصابئين، وهذه الطائفةُ تُعظِمُ النجومَ والكواكبَ ولها تأثيرُها الثقافي في المجتمعِ، وإتيانُ هذه التوظيفات في الشعرِ الأموي لم يكن توظيفاً عَقَائدِياً، بل وُظِفَت في سياقاتٍ شعريةٍ مازجةٍ بين الجمالِ والقبح والغرابةِ " وهي تلك الشعرية التي تسعى إلى إنتاج عوالم فنية قائمة على التخييل الغرائبي, أو ابتكار مشاهد فنية غير ممكنة كما هي على أرض الواقع" كليب(11)والتوظيف الساخرفي معظم الأحيان، من ذلك قوله جرير(15):

ذكرتَ بناتِ الشّمسِ والشّمسُ لم تَلد

 

وأيهاتَ من حُوقِ الحمارِ الكواكبُ

جاء القبحُ الأسطوري في سياقِ التهكمِ والسخريةِ وازدراءِ المهجو / الفرزدق، ليمزج بجماليةٍ قبحَ ولد الحمار وبين جمال بناتِ الشمسِ عاقداً المقارنةَ بين الجميل الذي تدعيهِ/ بنات الشمس، وبين القبيح الذي تنتسب إليه/ حوق الحمار، وفي ذلك يقول جرير(15):

لقد كانَ ظَنِّي يا ابنَ سعدٍ سعادةً

 

وما الظّنُّ إلا مُخطيءٌ ومُصيبُ
 

تركتُ عيالي لا فواكِهَ عِندَهم

 

وعندَ ابن سعدٍ سُكَرٌ وزبيبُ

تَحنّى العظامُ الرَّاجفاتُ مِن البَلى

 

وليسَ لداءِ الرُّكبتينِ طبيبُ

كأنَّ النِّساءَ الآمراتِ حَنَينَنِي

 

عريشاً فمشيي في الرّجالِ دبيبُ

منَعتَ عطائي يا ابنَ سعدٍ وإنَّما

 

سبقتَ إليَّ الموتَ وهو قريبُ

فإن تُرجِعُوا رزقي إليَّ فإنَّه

 

متاعُ ليلٍ والحياةُ كَذُوبُ

 

قٌل للجَبانِ إذا تأخّرَ سَرجُهُ
 

 

هل أنتَ من شَرَكِ المنيةِ ناجي

فَتَعَلَّقَن بِبناتِ نَعشٍ هارِباً

 

أو بالبُحُورِ وشدَّةِ الأمواجِ

      ثمةَ شَرَكٌ استعاره للمنيةِ، فهذه الاستعارةُ للشَرَك/ الشَبَك جاء لاصطيادِ الفرائسِ، فلا يوجدُ ناجٍ من الموت، بعد أن ذكر المهجو ووصفه بالجبان الذي يؤخر شدَّ حزامه وهي كنايةٌ عن تأخره وجبنه، وإضماره لتأخر سرجه، يسوقهُ بأسلوب الاستفهام التهكمي هل أنت ناجٍ؟، ثُم يأتي التوظيفُ الأسطوري ليزيد التهكمَ عمقاً حينما نصحهُ بالتعلّق ببناتِ نعشٍ زيادة في جبنه، وجاء في الأسطورة "أن الجدي قتلَ نعشاً، وبناتُهُ تدور به تريدُه" ( الميداني,د.ت,2/354) فجاء السياقُ بالأمر والنصح تهكماً, بالتعلقِ ببناتِ نعشٍ ليدورَ معها يأساً وهي كناية عن دوامِ الهروب من الموت دون انقطاعٍ؛ لأنَّه ربطَ بين عجز البيتِ وصدرِه فجاء العجزُ مُحاكياً حركة الأمواجِ وشدتها، لتكونَ حركةُ الهروبِ سماءً وأرضاً في السياق المكاني ، ودائمة الحركة في السياقِ الزماني، فقبح الموت ودوام الخوفِ منه و حركية الهروب في دائرةٍ مفرغةٍ هي التي رسمت مشهدَ جمالية القبح, وقد تكرر التوظيفُ الأسطوري في سياق القبح المعنوي الذي جاء متواصلا مع التجربة الإبداعية في شعر جرير، ومنها ما يرتبطُ بالجنِّ تارةً جرير(15)   وبالطِيَرةِ تارة أخرى جرير(15), وقد ذكر الكثيرَ من تلك الأساطير الدكتور علي جواد في كتابه المفصل جواد, (16) .

ثانياً: جمالية الاستجداء

       الاستجداءُ من الصفاتِ القبيحةِ, فيكونُ الشعرُ وسيلةً للكديةِ الحسين(17) ومُحاولة لجمعِ المالِ واستعطافِ الممدوحِ من أجلِ دراهم معدوداتٍ, وهذا الفعلُ هو الذي يهتكُ كرامةَ الإنسان ويَسكبُ ماءَ وجهِه, يقول الدكتور عبد القادر القط في ذكره للشعراء الذين يكثرون من المدح" قارنين ذلك بسؤال العطاء سؤالاً فيه كثيرٌ من الاتضاع والهوان, وربما كان جرير أشدهم إلحافاً في المسألة وأكثر حديثا عما يعاني هو وزوجته وأبناؤه من فاقة تبلغ حدَّ الجوع" القط(18) ويعزو ذلك لبعض الأسباب منها أن بعض هؤلاء الشعراء" لاجئين تائبين من هوى سياسي سابق"  القط(18) وقد ذكر جرير أنه دخل على أحد الخلفاء لما كان شابا بقوله "فاستؤذن لي في جملة شعراء...فدخلت وأنشدته, واخذت الجائزة معهم, فكانت أول جائزة أخذتها من خليفة" (الأصفهاني, 1986م ,7/36) فهو يؤكد على الجائزةٍ وكأنه يمدحُ استجداءً, وهو ما أشار إليه الدكتور شوقي ضيف في قوله " أما جرير فلم يكن متمرداً, بل كان فيه ضراعة" ضيف, (19) فأضحى الكريمُ مَن يكثر مِنِ الإغداق في عطاء المادح " حيثُ صار الكرم هو عطاء بالمقايضة البلاغية الشعرية " الغذامي(20) إلا أنَّ الإبداعَ الشعريَ يقلبُ الموازينَ ويقللُ من ذلك ويأتي به بجمالٍ أسلوبيٍ وفنيٍ يخففُ من وطأةِ تأثيره على الكرامةِ , ويجعل الشاعرَ مرموقاً في مجالسِ الخلفاءِ, وهذا النوعُ والأسلوب من الاستجداءِ الشعري يكثرُ في شعر جريرٍ, وجاءَ شعرُهُ مُتخماً بهذا النوعِ الذي جادَ بجمالية الإبداعَ برغمِ قبحِ المضمون, ومنه يقول جرير(15) :

    النَّص مفعمٌ بالتذللِ والاستعطافِ والاستجداءِ, وكأنَّ الشاعرَ قد انقلبَ إلى مُستجدٍ يسترحمُ الممدوحَ/ المُستجدَى منهُ, فجريرُ قد صاغَ الأبياتَ في إطارٍ واحدٍ قائمٍ على التظلمِ وجلب العطفِ من ابن سعد صاحب ديوان العطاء : جرير(15), وينسجُ الأبياتَ بأسلوبِ المقابلةِ بين تصديقِ الظنِّ بالخطأ والإصابة (مُخطئ – مُصيبُ) مُعدِّداً بطرافةٍ المفقوداتِ من المأكولات ( فواكه- سكر- زبيب) وهو تعديدٌ لاستدرار أكبر قدرٍ ممكن من العطفِ, فذكره لها تأكيدٌ على ضرورتها للحياة مع فقدانها, من ثمَّ تعرجُ الأبياتُ إلى تصويرِ الضَّعفِ الجسماني بشتى أشكالهِ, من انحناءٍ في العظامِ وارتجافٍ في الركبتين, وهذا التعديدُ جاء داعماً للنص الاستجدائي لتكونَ هذه التراكيبُ أساليبَ يحاججُ بها ويقدمُ من خلالها حاجته الشديدة حين جاء طالباً المال والمساعدة, وأشدُّ ما يواجهُ الشاعر هو تذكرُ النساء الحسناواتِ وتحولُ الحالِ من الجذب إلى التنفير, وباستعارةٍ لطيفة يوظفُ قبح المشي (الدبيب) المستعار من دبيبِ النملِ والمشي البطيء انسلالاً؛ ليصورَ ضعفه في عدم القدرة على المشي والذي صار كدبيب النمل الملاصق للأرض, ويسترحمه بذكر الموتِ وقطعهِ  للعطاء الذي يقربُ إليه الأجل, مع كونه قريبا لكبر سِنِّهِ وضعفِ جسده, خاتما المشهدَ الاستعطافي بتذكيرِ المخاطب بضرورةِ إرجاعِ عطائه الذي منعه, مُشيراً إلى يُسرِ ما تبقى من حياته بقوله (متاعُ ليلٍ) فجاءت الإشارة اللغوية في سياقِ القلة وهي إشارةٌ للنهاية مع التذكير بكون الحياة فانية كاذبة لا بقاء لها ولا أمان, قائلاً في موضعٍ آخر: جرير(15)

أغِثني يا فداكَ أبي وأمِّي

 

بسيبٍ منكَ, إنَّك ذو ارتياح

فإنّي قد رأيتُ عليَّ حقاً

 

زيارتيَ الخليفةَ وامتداحي

سأشكُرُ أن رددتَ عليَّ ريشي

 

وأثبتَّ القوادِمَ في جَنَاحي

     رُسِمَ المشهدُ بوساطةِ الجهرِ بطلبِ الإغاثةِ بأسلوبِ الرجاء والدعاء ,وهيمنَ طلبُ العطاء والاستجداءِ فصار سياقاً مسيطراً على التجربةِ الشعرية, وطَلبُ الإغاثةِ بأسلوب استعارةِ الغيث المرتبط بالمطر للمخاطب وكأنه مطرٌ يُحيي الأرضَ, وهي إشارةٌ مدحية تصفُ الإغداق في العطاء وكأنه مطرٌ منهمر كناية عن الكثرة والغزارة, وصار الشاعرُ متوسلاً يرجو نوالاً كثيراً فهو عطشانٌ يستسقي الغيث, مؤكداً بـ(أني قد رأيت عليَّ حقا) أنه يرى أحقية قدومه ومدحه للخليفة, وحينما جعل رؤيته حقاً فإنه أدّى الواجب لا النافلة, وهي انتقالة ذكية تسهل الترابط بين المادح/ المستجدي والممدوح/ المُستجدى منه, لتأتي الاستعارة الجميلةُ في بتشبيه نفسه بالطائرِ الذي فقد ريشَه, وكأنَّه الطائر العاري من الريش , وعطاءُ الممدوح يكسيه ريشاً كناية عن الفقر, وأنه مكسورُ القوادم والممدوحُ أثبتها إشارة لضعفهِ وفقره, وهذه التجربةُ الشعريةُ صاغها جريرُ بجماليةٍ جعلت القبيحَ جميلاً, يتلقاها القارئ بمتعة الإبداع فلا يرى القبح المضموني للاستجداء وإظهار الانكسار والضعف في سبيل العطاء.

ولازال جرير يرسمُ مشهدا للاستجداء ويوطئ فيه للممدوح مطالبه من ذلك قوله جرير(15) :

ألا نَشكُو إليك زَمانَ مَحلٍ

 

وشُربَ الماء في زَمَنِ الجليدِ

ومَعتبة العيالِ وهُم سغابٌ

 

على دَرِّ المُجالِحةِ الرّفودِ

زماناً يتركُ الفتياتِ سُوداً

 

وقد كانَ المَحاجِرُ غَيرَ سُودِ

      يُمهدُ جرير شكواه باستثارة المخاطب بـ(ألا) التي تثير انتباهه, ثمَّ يسردُ سببَ الشكوى ويسنده الى الزمان المجدب, الذي يعزُّ فيه الماء, مُسنداً الجدب والمحل إلى الزمان الذي كرره ثلاث مراتٍ (زمان, زمن, زمانا) لأنه الأيقونة التي يُحيط بها المُخاطب وأن هذا الزمن هو الذي تبدَّل, ونقل الحياة من السعادة إلى الفاقة والعَوَز مع الحاجة الماسة التي خلفها الزمن الصعب, مشبهاً أبناءه بالطيور الصغيرة  (سغاب) كناية عن الضعف والفقر وعدم القدرة على الاعتماد على النفس, ولا يملكون سوى ناقةٍ تدر اللبن لهم في الشتاء, وذكر الناقة والإلحاح في تفاصيلها هو دعمٌ للنصِ الاستعطافي والاستجدائي ليكون لطلبه للمال والمساعدة ما يسوغه, ويختم الأبيات بأسلوب بلاغي قائمٍ على رد العجز على الصدر (سودا , سود) ليؤطر المشهد الزماني بين الماضي والحاضر , فالحاضر يتركُ الفتياتِ سوداً بفاعلية الفعل المضارع / يترك, والماضي (وقد كان المحاجر غير سود) بفاعلية الفعل الماضي / كان, ومع ذات البيت بأسلوب المقابلة الزمانية-البلاغية بالإيجاب والسلب (سود ,غير سود), وما هذا اللون الأسود القاتم إلا دلالة دافعة للنص ليؤثر في المخاطب, وهذا الاسلوب الاستجدائي جاء مطَّرداً وشكَّل ظاهرةً في شعر جرير وقد أكثر منه ولاسيما أنه كثير المدح والولوج والخروج على الخلفاء والولاة والأمراء ويمكن استشفاف ذلك في ديوانه: ينظر: جرير(15).

ثالثاً: جماليةُ الرعب

   ما الرعبُ إلا قبحاً يسيطرُ على الإنسان، فأشدُّ ما يلاقيه الإنسانُ هو الخوف من عدو قادم أو قلق من أمر قابلٍ قد يكون معلوماً أو مجهولاً وفي كلا الحالتين يشعرُ المرءُ بالخوف والهلعِ، ويأتي الشاعرُ مصوراً هذا الرعبَ القبيحَ بتجربةٍ جماليةٍ تجعل النص الشعريَ صاخباً بالإبداعِ الذي يصهرُ المتلقي في النصِ ويأسره أمام هذا التشكيل الفني الجميل "بل إنَّ العنف اكتسب سماتٍ جمالية وفنية حتى صرنا نتقبله ثقافيا وكأننا في حال نشوة شعرية" الغذامي(20) ، فما تصويرُ الحاكمِ القاهرِ لأعدائه إلا صورةً من ذلك القبحِ المجبول بجمال الصياغة الشعرية، وما الخوفُ المرتسمُ على مُحيا المخاطبِ تهديداً ووعيداً حسيا أو معنوياً إلا رعبٌ قبيحٌ يرسمُهُ الشاعرُ بأسلوبٍ فني جماليٍ وإبداعي، وكذا النظرُ إلى الوحوشِ الكاسرة في الأرض أو في كَبِدِ السماء وتصويرها شعراً يقدمُ هذا القبح الحقيقي ومحولاً إياه إلى نصٍ شعريٍ إبداعيٍ أخآذٍ في فنه وتشكيله، فينسي المتلقي الرعب ويجعله مشدودا مجذوباً يطربُ بموسيقى الشعر وإيقاعه الموسيقي اللذيذ، وشاعرنا جرير يمتلكُ تجربةً شعريةً تقلبُ النصوصَ الشعريةَ بحركاتٍ تحوِّل الحقائق بنتاجٍ شعريٍ إبداعي طريف وظريف ينقل المشهدَ ويلوّنُ الحدثَ بتشويقٍ وقصدية، ومن ذلك قوله جرير(15):

وقالوا: لن يُجامِعَنا أميرٌ
 

 

أقامَ الحدّ واتَّبعَ الكِتابا

إذا أخذوا, وكَيدُهمُ ضَعيفٌ

 

ببابٍ يمكُرُونَ فَتَحتَ بابا

وأشمطَ قد تردَّد في عَمَاهُ

 

جَعلتَ لشيبِ لِحيتهِ خِضَابا

إذا عَلِقَت حبالُك حَبلَ عاصٍ

 

رأى العاصي من الأجَلِ اقترابا

        ينهضُ النصُ الشعري ببعدين، الأول يسلب الخصومَ كل سمة من سماتِ الخير والإيمان، والثاني  يشكلُ صورة سامية للممدوحِ قائمة على الحقِ والعدل، وبين هذين النسقين يُحولُ جرير القبحَ رسما ملحمياً جمالياً ، يثبُ في سياقِ النقل لقولهم (وقالوا) ليُوهن هذا القولَ بكونهم نصَّبوا أنفسهم خصوماً معارضين للأمير، وهو الذي يقيمُ حدودَ الله ويتبع القرآن الكريم،  ليستند إلى تَصييرهم مخالفين لكتاب الله وتعاليم الإسلام، فهم المارقون عن مبادئ الدين، دون الإفصاح بخروجهم، ولكنه جاء بنسقٍ شعريٍ مضمرٍ استغل خروجهم على عدالة الإمام مروقاً عن الإسلام لأن الحاكم قائم بالعدل وآمر به ومعارضته معارضةُ للدين، ليرتكز على المدح الذي يبررُ الفتكَ بالخصوم في " ثقافةِ النسقِ لا مكانَ للمعارضةِ أو مخالفة الرأي، والآخر دائماً قيمة ملغية" الغذامي(20) وهو ما يُبيحُ للحاكم/ الممدوح القتل وبثُّ الرعب في نفوس الخصومِ المعارضين،  ففي جعلهم معارضين للحاكم القائم بالعدل ( أميرٌ أقام الحد واتبع الكتابا) ما يبيحُ طريقة عقوبتهم العنيفة في تخضيب لحالهم البيضاء- كناية عن كبر سنهم- بدمائهم، وهنا يجمعُ النصُ الشعريُ بين الجمال والقبح ، القبح الدموي الذي يعلله باستعارة الخضاب/ الحنّاء للحيَة بدل الدماء تهكما بهم ، فالخضاب مادة تجميل جعلها سياقا دموياً يستحقه الخصمُ المعارض، وهو ذاتٌه الخصم العاصي الذي يعلمُ أن عصيانه مُدنٍ لأجله، فجعل البيت الأخير يدور في فلك العصيان والقتل وسفك الدماء, وفي السياق ذاته يرسمُ تشكيلا بشعاً في القتل والعنف جرير(15):

تهوي بذي العَقرِ أقحافاً جَماجِمُها

 

كأنَّها الحنظلُ الخُطبانُ يُنتَقفُ

      تتلاحمُ الأفعال مع الأسماء بدلالتها العنيفة في صورة مرعبةٍ للقتل، فالأفعال( تهوي، ينتقفُ) مشحونة بالعنف والرعب، فسرعة تطاير/ تهوي الجماجم وكأنها حنظل، وينتقف/ شدة اقتلاع الرؤوس إلى جانب الأسماء المرعبة (أقحاف، الجماجم، الحنظل، الخطبان) فهذا التشكيلُ الدلالي المرعب بقبحه صاغه جرير بمهارة وإبداعٍ جمالي صيرت الرعب سيدا في كل حرف وكلمة في بيت شعريٍ واحد, فالجماجم تهوي مسرعة باقتلاعٍ عنيفٍ مع تشبيه الجماجم بالحنظل شديد المرارة كل ذلك جعل البيت مكتظاً بقبح المضمون وجمال التشكيل الإبداعي.

 ويصفُ الحرب بصورة عنيفة فيقول جرير(15):

والخيلُ سَاطعةُ الغُبارِ كأنّهُ

 

أجمٌ يُحرَّقُ أو رعيلُ جَرَادِ

ثبتُ الطِّعانِ إذا الكُماةَ أذلَّها

 

عرقُ المُتونِ يَجُلنَ بالألبادِ

        استثمارُ لقطة سطوع الغبار الذي تثيره الخيلُ مشبهاً إياه بالأجسام المحترقة المتهاوية شديدة التناثر وسريعة الانتشار كالجراد، هذه اللقطة الجميلةُ وصفاً, والقبيحةُ مضموناً, جاءت مشحونة بالنار والغبار والفوضوية المرعبة, وجريرُ يستثمرُ هذه المشاهد الصاخبة للقتل والترويع, وفي المدح تأتي جمالية الرعب في وصف الممدوح و تطويقه بهالةٍ مرعبة، ليجعل منه مثالا في القوة والسطوة فيقول جرير(15): 

وأصبَحَ كالبازي يُقلِّبُ طرفَهُ

 

على مَربَإٍ والطيرُ منه دَوَاخِلُ

وخَافُوكَ حتَّى القوم تَنزُو قُلُوبُهُم

 

نُزاء القَطَا التفَّت عليهِ الحَبَائلُ

       يشبّهُ الممدوحَ بالصقر المترقبِ على ربوةٍ شاهقةٍ، يتربصُ بخصومهِ، الذين شبههم بالطيور الخائفة المرعوبة والتي ما إن تراه حتى تفرَّ هاربةً منه، من خلال واو الحال (والطيرُ منه دواخلُ) يصبحُ حالها الفرار والاختباء، هذه الصورة المستعارة من الصقر والطيور جاءت بجمالية الرعب فقد رفع الممدوح إلى هيبةِ الصقر الذي يمتلك مقومات الشدة والفتك والدقة في مراقبة الخصوم والفرائس إلى جانب سرعة الانقضاض على فرائسه، مع علوه المكاني والفعلي، وإذا ما حضر وحلق في السماء ترى باقي الطيور تنزو/ تثبُ كما يثب القطا خوفا من الوقوعِ في المصيدة والشَرَك، هذه الصورة المستثمرة من الطبيعة جاء بها وأسقطها على الممدوح بكل أركانها ومشاهدها ودلالاتها الجمالية المرعبة، فالصقر عسيرٌ على العدو, وضرب بقوةٍ وفوقيةٍ، بل لم يغفل جريرُ عن توظيف الصفة التي يكادُ الصقرُ يمتازُ بها عن سواه وهي حدة البصر فإذا اقتنص فريسة, انقضّ عليها بسرعة وحنكة ودقة.

    ومن السياقات الشعرية التي ترسمُ الرعب والهلع في نفوسِ الخصوم هي الحضور الذاتيُ المَهيب، هذا الحضور الصاخبُ بالأنا الفاتكةِ الممزقةِ للخصوم، فجريرُ يجعلُ ذاته مركزاً شعرياً يدورُ في فلكه الأعداء, ويعجزُ غيرهُ عن اللحاقِ به وهو بهذه الفوقية يستندُ إلى كميةِ انتصاراته المستمرة على طول مسيرته الشعرية، فلم تتوقف إلى وفاته, دون أن ينضب معينه أو تنكسر شوكتُه، فهو يعلمُ أنه الشاعرُ الفحلُ "وفي النسق الشعري يأخذُ مفهوم الفحولة معنى أقرب إلى العنف والبطش، ومن لم يكن ذئبا تأكله الذئاب ، ومن لا يظلم الناس يظلم" الغذامي(20) وفي ذلك يقول جرير(15):

ألم تر من هَجَاني كيف يلقى

 

إذا غبَّ الحَديثُ من العذابِ

يَسُبُّهمُ بسبِّي كلُّ قومٍ

 

إذا ابتدرت مُحاوَرَةُ الجوابِ

     هو الأصلُ الذي تسيرُ خلفه الفروع، فثمة توجيهٌ جعلَ الباطل مع خصومه, والحقَ معه، ولأنه الصوابُ والحقّ؛ يقفُ الناسُ في صفه (يسبهم بسبي كلُ قومٍ) وقد وظف (كل) الاستغراقية الشاملة للجميع فكأنه قائد جميع الشعراء, والناسُ يسيرون في رَكبِه ويرون ما يرى، هذا السياق الشعري متكررٌ في شعره و"إمكان رصد ملامح الأنا الشاعرة في النصوص الشعرية من خلال تتبع أشكال القبح ومظاهره, فمن أبرز وأهم الملامح المتواترة لصورة الأنا ..هي.. ساخطة , رافضة, ثائرة, مستلبة" البزور(3) ، من ذلك قول: جرير(15)

أنا البازي المدلُّ على نُميرٍ

 

أُتِحتُ من السّماءِ لها انصِبابَا

   ويقول: جرير(15)

أنا البازي المُطِلُّ على نُميرٍ

 

على رغمِ الأنوفِ الراغماتِ

    ويقول: جرير(15)

ألم أكُ ناراً يتّقي النَّاسُ شرَّها

 

وسَمّاً لأعداء العشيرةِ مُمقِرا

      فتارة ينقضُّ على فريسته، وتارة يكون ناراً حارقة تلتهم الخصوم أوسمّاً مرّاً زعافاً على أعدائه ، منوعاً في تشكيلات الرعب وصوره في سياق القاهر للخصوم, وهذا النسق الشعري هو الذي يجعل الأنا الشعرية الأعلى وغيرها الأسفل "فالنصوص المسرودة بهذا الضمير تتخذ طابعاً ذاتياً ... تبقى أكثر حميمية واقناعا للمتلقي"(ضرغام,2009م,93) ،إذ يقول: (التونجي,2002م ,1/341)

إنِّي انصببتُ من السَّماءِ عليكُمُ

 

حتى اختطفتُك يا فرزدقُ من علِ

من بعدِ صَكَّتي البَعيث كأنَّه

 

خَرَبٌ تَنفَّجَ من حِذارِ الأجدلِ

    تكمن قسوة الوصف في انصبابه من السماء واختطافه للفرزدق من علوٍ شاهقٍ، والتقاطه كالتقاط الصقر لفريسته، بسرعة ومباغتة، مُديماً زخم الرعب حينما جعل خصمه البعيث مرعوبا وكأنه طائر الحبارى الذي ينفش ريشه إذا أصيبَ بالخوف والهلع بصورة فانتازية عجائبية فـ"موضوع القبح يشكل ضربا من الغرابة والدهشة والمغايرة"البزور,(3), وعلى النحو المقاربِ يقول: جرير(15)

إلَّا قتيلاً قد سَلبنا بَزَّهُ
 

 

تقعُ النُّسورُ عليه أو مَصفُودا

       فلا مكان للخصومة سوى القتل وزيادة المهانة في المبالغة الشعرية، فالخصمُ صار فريسةً للنسور والضواري، في كناية على انهزام القوم جميعاً فلا وجود لمنقذٍ أو من يدفن القتلى, "إخضاع الآخرين بوسائل السيطرة القمعية" الغذامي(20) ومن استعمالاته لقسوةِ الألفاظ الدالةِ على العنف الشديد قوله: جرير(15)

أبا مالكٍ لابُدّ أنّي قارعٌ

 

لعظمِكَ إنِّي للعظامِ قَرُوعُ

       التهديدُ والوعيد بالتأكيد الأسلوبي (لابدّ أني، إني) ،والتهكمُ في المخاطب بمناداته بكنيته أبا مالك/ الأخطل، متوعدا بكسر عظمه، مع الإشارة برد العجز على الصدر في البيت بقوله (قارعٌ ، قروع) وهذا التوظيف البلاغي أدّى غرض الديمومة الفعلية في تكسير عظام الخصوم، ومن خلال (لابد) فإن تحطيمه قادمٌ لامحالة، ففي هذه الصياغةِ الإبداعية مثل الرعب وشدة الكسر بأسلوب جمالي إبداعي..

      وهكذا نستشفُ رعباً مطّرداً في شعرِ جرير معتمداً المبالغةَ الغرائبية وهي من أركان القبح" فالنص الغرائبي معنيٌ بإثارة مشاعر الدهشة لدى المتلقي من خلال إنتاج عوالم تخييلية مفارقة للواقع أو تندرج وفق قوانينه" كليب (11) ، ولأنه يفتخرُ بذاته، وواثقٌ من قوته الشعرية فكان الحضور اللافت للأنا، وكذلك جاء الآخرُ الممدوحُ مرعباً مَهيباً ليحيطه بهالة البطش والقهر، وكانت الحربُ ساحةً لنشر الرعب وعرضهِ بجمالية وإبداع في التجربة الشعرية الرائدة لجرير، فديوانهُ يزخرُ بهذه الصورِ ولاسيما نقائضه، وهو الأسدُ الذي افترسَ جميعَ خصومه سوى الفرزدق، لذا كانت تلك الثقافة الشعرية قادرة على امتلاك مقومات الفحولة والسطوة وإرعاب الآخرين.

رابعاً:القبح المعنوي

     ذكر الدكتور خليل الموسى أن القبح المعنوي "هو قبح متعدد الألوان والأشكال، فمنه ما يعودُ إلى تقديرات المجتمع وقيمه، كالبخلِ والجبنِ والجشع على الطعام والنسب الوضيع والغدر، ومنه ما يعود إلى طبيعة الفرد كالخوف"  الموسى(21) وهذا اللون كثيرٌ جداً في شعر جرير؛ وذلك لأسباب عديدة، أولها صراعاته النقائضية مع شاعرين كبيرين كالفرزدق والأخطل اللذين لا يقلان فحولة عنه إلى جانب العديد من الشعراء سواهما كالراعي النُّميري وغيره الكثير, ولأنَّ "القبح بمفهومه العام هو ما يثير النفور" البزور (3) ، فاللؤم والبخل والجبن والغدر قبائح اطّرد ذكرها في شعر جرير، وهي من أقبح العيوب الاجتماعية في المجتمع العربي ولاسيما المجتمع القبلي الذي تُثارُ فيه العيوبُ على رؤوس الأشهاد، وفي النقائض تكون هذه الصفات منثورة داخل القصيدة الطويلة ولا تغيب إلا نادرا، فهي آتية في سياقات جمالية تجعل هذا القبح الساخر مُثيراً للضحك ويقلل من شأن المخاطب/ المهجو أمام الحاضرين في مشهد مسرحي صاخب بالحضور والتصفيق والضحك.

     ومن الصفات والمعاني القبيحة التي يكتظ بها شعر جرير, هي صفة اللؤم ونظيراتها من الصفات الذميمة القبيحة التي عرضها واستثمرها بشكلٍ جمالي في قوله: جرير(15)

أصابَ قرارَ اللؤمِ في بِطنِ أُمِّه

 

ورَاضعَ ثديَ اللؤمِ فهو رَضيعُ

       اللؤم من العيوب الجامعةِ، ووظَّف تكثيفا في التكرار، ليحيطَ المهجو باللؤم من جميع اتجاهاته، فهو لئيمٌ قبل الولادة في أحشاء أمه، ومن ثمَّ يرضع اللؤم بعد الولادة، ليكونَ لؤمهُ متواصلاً ومرتبطاً بأصله، فأهله يتصفونَ به وإن لم يذكرهم تصريحاً، فجاء ذكرهمُ تلميحاً لأنه لئيمٌ في بطنِ أمه ويرضع اللؤم منها، وهذه الصفةُ يكررها ويذكرها كلما سنحت الفرصةُ الشعريةٌ بذلك، ويربطُ  هذه الصفة الرديئة الجامعة بالبخل: جرير(15)

كسااللؤمُ تيماًخُضرةًفي وجُوهِـهَا

 

فيا خزيَ تيمٍ من سَرَابيلها الخُضر

ولوتستَعفُّ التيمُ أوتُحسنُ القِرى

 

ولكــنَّ تيــماً لا تـَعِـفُّ ولا تَقـــرِي

ولو يُـــدفنُ التّيــــميُّ ثم َعَـــوتَه

 

إلى فضلِ زادٍ جاء يسعى مِنَ القبرِ

      ثمةَ صورٌ ساخرةٌ ضاحكةٌ تترسخُ في الأبياتِ، فاللؤمُ غَيرَ لونَ وجوهِ التيميين فصارَ لونهمُ كلونِ سرابيلهم، لتأتي الصفةُ القبيحةُ الأخرى وهي البخل، وهذه الصفةُ تأنفها العربُ وتزدريها، وزاد من توصيفِ قبحها بمزجها بإكرامه الضيف، فإقراءُ الضيف أمرٌ تتفاخرُ به العربُ، فحسبُك بمن لا يكرمُ ضيفه، باستدراكٍ بـ(لكن) مشحونة بنفي العفافِ وقري الضيف، وهو يكرر حرف الامتناع (لو) في الأولى نافيا عنهم بتهكم العفاف والكرم، وفي الثانية راسما بها مشهداً ساخراً (كاريكاتيريا) مضحكاً بكونِ التيميينَ ينتفضونَ طمعاً من قبورهم؛ إذا ما دُعوا إلى فُتاتِ زادٍ وفضلاتِ الموائد، وهو إقذاعٌ هجائيٌ ساخرٌ بصياغةٍ جماليةٍ تتجلى " بمجموعة القيم التي لا يرغب فيها المجتمع, وتواضع أبناؤه على ذمها وكرهها" ابو زيد(22).

      ومن الأفعالِ القبيحةٍ التي استعملها جريرُ في تشنيعه على الفرزدق هي أفعال الزنى وشرب الخمر، إذ يقول: جرير(15)

أما يَدَعُ الزّناءَ أبو فراسٍ

 

ولا شُربَ الخَبيثِ من الشَّرابِ

       جمع قبح الزنى وشرب الخمر، وجاء بكنيته (ابو فراس) تهكماً وتشنيعاً، لأنّ الكنية لتعظيمِ الشخص وزيادة في احترامه، ولكنه هنا جاء بها في السخرية والهجاء، ومع الفعل القبيح الفاحش للزنى والخمر..

      ومن الأفعال القبيحة التي جاء بها جرير في سخريته واحتقاره للمهجوين وعرضها بجمالية في قوله: جرير(15)

يا أكثرَ الناسِ أصواتاً إذا شَبِعوا

 

وألأمَ النّاسِ أخباراً على الزادِ

     صاغ الصورة بصيغة الإكثار (أكثر وألأم)، في الصدر يصيبهم البطرُ إذا أصابهمُ الشبع، وهي صفة تدلُ على قلةِ شأنهم وحقارةِ طباعهم، وهي إشارة وتعريضٌ بأنهم يتكلمونَ بأحاديثَ بذيئةٍ ولا يرعوون عن فسقهم وفجورهم.

ويكثرُ من ذكر فسوق المهجوين وسوء أفعالهم: جرير(15)

إنَّ الفرزدقَ أخزتهُ مَثالبُهُ

 

عبدُ النهارِ وزاني اللّيلِ دبّابُ

     التأكيدُ على صفاتِ الفرزدقِ وأفعاله القبيحة، مع الكناية التحقيرية له في قوله ( عبد النهار) وهي كناية عن ذلّه، مع قوله (دبّاب) استعارة من دبيب النمل والحشرات ولكنه قرنها بالزنى  لتكون الصورة دبيبه ليلا بخفية إلى خدور النساء، لأنَّ جبنه وذلُّه يمنعه من السير جِهارا نَهارا, كل تلك الصفات السيئة تواشجت في بيت واحد, ويقول: جرير(15)

مُجاشعٌ لا حياءٌ في شَبيبتِهم

 

ولا يَثُوبُ لهُم حلمٌ إذا شابُوا

      جمع أطراف القومِ بشيبهم وشبابهم بمقابلة ضديةٍ جمعت صفاتهم بفقدانهم الحياء والحلم، وهذا الأسلوب البلاغيُ والقدرة الإبداعية يأتي بها جريرُ بسلاسة وسهولة، وهي التي جعلت شعره أكثر هجاءً وإقذاعا, فكلماتٌ قليلاتٌ تشي بمعانٍ كثيرةٍ زاخرةٍ بالدلالاتِ المتشعبة،         ومن القبحِ المعنوي في شعرِ جرير، تشكيلهُ للصورة القبيحةِ بصيغةٍ تجعلُ القبحَ الصوريَ إبداعا جمالياً، يربطهُ بالحيواناتِ المحتقرة: جرير(15)

أما الرجالُ فجُعلانٌ ونسوتُهُم

 

مثلُ القنافذِ لا حُسنٌ ولا طيبُ

         فشبه الرجال بالخنافسِ في القذارة، والنساءَ بالقنافذ بشاعةً وقبحَ منظرٍ، فيكون قد جمع الأضداد بمقابلةٍ بين الرجال والنساء مع إعطاء كل واحدٍ صفته من القبح وتوظيفها "يترك أثراً دلالياً قوياً في المتلقي" البزور(3), وتعتمدُ جمالية الصورة القبيحةِ في شعر جرير على التقاطِ الجزئياتِ الصغيرةِ وتهويلها، وكأنّها حكايةٌ طويلةٌ، ليوصلَ بهذا التوصيفِ القُبحي بُعداً تواصلياً داعماً للقصيدةِ ككُلٍ، كما جاءَ في قصيدتهِ الطويلةِ في مدحِ هشام بن عبد الملك، ويذكر الرحلةَ ومشاقّها، فيشيرُ إلى هذه الصورة العجيبةِ القبيحة، ليوصل للمتلقي/ الممدوح فكرةَ صعوبة الرحلة ومشقتها: جرير(15)

نرمي الغرابَ إذا رأى برِكابِنا

 

جُلَبَ الصّفاحِ ودامياتٍ بالكُلى

        فالغربان تهبطُ على الركائبِ لتَقرُّحِها ونزولِ الدماءِ منها، وهم يزجرون هذه الغربان، فالصورةُ حبلى بالقبحِ الصوري، فالدماءُ المتقرحةُ التي تلتقطها الغربانُ، هذه الصورة المقززةُ استثمرها في سياقِ مشقةِ الرحلة القاصدةِ في سبيل الممدوح..

ومن التوظيفِ القبيح لفعلِ المهجو ربطهُ بالحيواناتِ القذرة جداً كالخنازير، فهذه الحيوانات جامعةٌ لكل قبيح في الشكل والأفعال، فيستثمرها جرير ليعرضها بمهارةٍ في صراعاته مع الأخطل مستثمرا الخلفيات القيمية للخصم المهجو، فجاء وصفُ نساءِ بني تغلب بأقبحِ الأفعالِ المتعهرة، التي تجعل المتلقي يشمئز منها، ولكنه عرضها بإبداع الصياغة : جرير(15)

والتغلبيةُ، حين غبَّ غبيبُها

 

تهوي مَشَافرُها لشرِّ مشافرِ

        فالتغلبية إذا انتشت سكراً وذهبَ عقلُها بوصفٍ كنائي (غب غبيبها) عن غياب العقل، لتأتي الصورةُ المقذعةٌ في عجزِ البيت بكونها تقبّلُ الخنازيرَ أو تُجامعها، هذه الصورة المستهجنةُ والمتعهرةُ جاءت بتشكيلٍ إبداعيٍ جماليٍ تُصيرُ المتلقي مندهشاً من هذا الوصف المتخمِ بالإسفاف, وبعبقريةِ التراسلِ بين الأصواتِ والصورِ يجمعُ جريرُ بين صوتِ الخنزير وصورة القرد في قوله: جرير(15)

ضغاط قردٌكمُ لمّا اختطفتُ فؤاده

 

ولابن وثيلٍ كان خدُّك أضرعا

      أصدر القردُ صوتَ خنزيرٍ؛ لشدةِ ذلّهِ وخوفه بفاعلية (اختطفتُ) دلالة عن الرعب الذي أصابه، بحيثُ انقلبً صوتُهُ إلى صوت خنزيرٍ قبيحٍ، مبالغة في خوفه، فجمع في صدرِ البيت قُبحين صوت خنزير وصورةِ قرد، وفي عجزِه جاءت الكناية البلاغية عاصفةً بقوله (خدّك أضرعا) كناية عن الذل والخنوعِ .

    وقد تكررت هذه الصورُ التي جعلت الحيوانات المستقذرة والمحتقرةِ مادة لها، فصيرتها تشكيلاً يعومُ في النصوصِ تمدها بجماليةٍ إبداعيةٍ تدفعُ من خلالها القصيدةَ إلى قصديتها التي ترومُ تحقيقها(جرير,1983م,١٠٣،١٨١،١٨٢،١٧٨،٢٧٦،٣٤٧،٣٤٨،٣٥٧،٤٦٣،٤٧٨،٥٣١),ومن جماليات القبح التي تمظهرت في شعر جرير هي توظيفُ الشخصيات القبيحة، فجرير استثمرها بأبعادها الثقافية التي جاءت في سياق المعنى الشعري، من ذلك قوله : جرير(15)

إذا مات الفرزدقُ فارجُمُوهُ

 

كما تَرمُونَ قبرَ أبي رِغَالِ

    شبّهَ الفرزدقَ بأبي رغال الملعونِ والمرجومِ قبره، ليُساوي في قبحِ الأفعالِ والصنائعِ بين الشخصيتين، المهجوةِ/ الفرزدق و المستجلبةِ القبيحةِ/ أبي رغال، فأوجدَ موازنةً في قبح الاثنين مساويا بينهما بكل ما تستدعيه شخصية أبي رغال القبيحة.

     ومن الشخصياتِ القبيحة التي وظفها جريرُ هي الشيطان، فهذه الشخصيةّ جامعة للقبائح من جميع أطرافها، فيقول: جرير(15)  

لمّا أضلّهمُ الشيطانُ قال لهم:

 

 

أخلفُتمُ عندَ أمرِ الله ميعادي

      فهذه الصورة القبيحةُ للشيطانِ وغوايته، اقتبسها الشاعرُ من صورة الشيطان وصفاته القبيحة المذكورة في القرآن الكريم، لأنّ الله تعالى ذكرَ في مواضع كثيرة قبح الشيطان، بل قبح شكله حينما قال{طَلعُهَا كَأنَّهُ رُؤوسُ الشَّيَاطِينِ}(سورة الصافات/65) فجاءت الصورةُ تقبيحا للشكلِ كما قُبح فعلُه حينما أغوى من اتبعه من البشر، وبعد ذلك تبرأ منهم وهو ما اقتبسهُ جرير من قوله تعالى {وقَالَ الشَّيطانُ لمَّا قُضِيَ الأمرُ إنَّ اللهَ وَعَدَكُم وَعدَ الحَقِّ وَوَعَدتُّكُم فَأخلَفتُكُم وَمَا كَانَ لِي عَلَيكُم مِن سُلطَانٍ... }(سورة إبراهيم/22) فتكون الفكرةُ في جمالية القبحِ قائمةٌ على قبح الفعلِ الذي تختزله شخصية الشيطان "فليس المهم أن تبدو الشخصية جميلة أو بشعة, وإنما المهم أن تبدو موجودة" الغذامي(20) في النص الأدبي وتحقق غرضاً داخله, ومن الشخصيات والأقوام الذين يتصفون بالقبح وشبه بهم الشاعرُ المهجوين عاد في قوله: جرير(15)

لاقوا بُعُوثَ أميرِ المؤمنين لهم

 

كالرّيحِ إذ بُعثت نحساً على عادِ

     فجاء الاقتباسُ القرآنيُ المتجذرُ في ذاكرةِ الشاعرِ عن سوءِ عاقبةِ عاد، وأن شخوص هذه القبيلة جاؤوا بأفعالٍ قبيحةٍ جعلتهم يمرون بسوء الحساب وهي قوله تعالى {إنَّا أرسَلنَا عَلَيهِم رِيحَاً صَرصَرَاً فِي يَومِ نَحسٍ مُستَمِرٍ}(سورة القمر/19),وقوله في استجلاب ثمود،وتوظيف أفعالها القبيحة: جرير(15)

آل المهلبِ فرّطوا في دينـــِهِم

 

وَطَغوا كما فَعَلَت ثمودُ فبارُوا

     قبح فعلِ آل المهلب جاء مشابها لفعل ثمود، وتوظيف هذه الأقوام والأشخاص وإدخالها في النص الشعري تمده بالحيوية الشعرية الفاعلة، التي تجعل النص يزخرّ بقصدية هذه التوظيفات، وتكون ملهمة للنص الشعري ولاسيما عندما عرضها على حقيقتها وبمخزونها المعرفي والثقافي "ولو وجدنا شخصيات بشرية قبيحة....فقلَّما تكون مقصودة لذاتها, وإنما لدلالتها العامة بوصفها نماذج اجتماعية" (كليب,دراسات, 68)                 

خامساً: قبح الفضاء  (الزماني والمكاني )   

       مثّل المكانُ فضاء رحباً في شعر جرير، والشاعرُ أضفى على المكانِ بُعداً إنسانيا، مازجا بين وحشةِ المكانِ وساكنيهِ الذين هجروه، فرسمَ صورةَ للأطلال التي أمست مُقفرةً خاليةً من أهلها، وهذا التغيرُ والخرابُ يمثلُ القبحَ الذي عرضه بالنهوض من ركامِ المنازلِ الخَربةِ, "فالطلل تجسيد لثنائية الحياة والموت, الحياة في الماضي والموت في اللحظة التي يعاين فيها الطلل" (عبدالرحمن,2012م,180) فالقبح شعورٌ يتولد في داخل الشاعر؛ ينتج عنه ألمٌ داخلي من رؤية المكان الخربِ أو المهجور إلى جانب الشعور بأفولِ السنين الماضوية الجميلة, فالأطلال لا تنهض من هواء بل " وجودها حقيقة عاشها الإنسان/ الشاعر..... ثم هجرها و تركها بعد حين"الحمداني(23) , فيقول: جرير(15)

حيِّ المنازل بالبُردينِ قد بليت

 

للحيِّ لم يبقَ منها غيرُ أبلادي

ما كدتَ تعرفُ هذا الربعَ غيَّرهُ

 

مَرُّ السنينَ كما غَيّرنَ أجلادي

     مقارنةٌ جعلت النصَ الشعريَ ينهضُ بجمالية الوصف من قبح الركامِ وتجاعيد الإنسان، أعطت الطللَ تغيراً ومعنىً وجدانياً جاء بوضوح جميل، البيتان صاخبانِ بتغيرِ الشكل من الجمالِ إلى القبح، ولاسيما تكرار ( أبلاد، بليت، أجلادي) تُشعرُ المتلقي بذبح الشكل مكاناً وإنسانا, وربما هو تعبيرٌ عن "الاندثار الحضاري, ومحل الطبيعة" اليوسف(24),ولم يزل يكررُ مشهد الطلل الخرب ويضفي عليه بعداً إنسانيا كعادة الشعراء: جرير(15)

حَيِّ المنازلَ بالأجراعِ غَيَّرَهــــا

 

مرُّ السنينَ وآبــــادٌ وآبـــــادُ

رأت أمامةُ أنقاضاً على عَجـَـلٍ

 

وهاجعاً عِندهُ عَنسٌ وأقتـــادُ

في ضُمّرٍ  مَهَارَى قد أضرّ بها

 

 

سيرُ النَّهارِ وإســـادٌ وإســادُ

     يمثلُ التكرار ظاهرة لافتة في الأبياتِ (آبادٌ وآبادُ، وإسادٌ وأسادُ) فهو يركزُ على التغير الذي تركه الزمن وأحدثه في المكان، فغدا الفضاءُ الزماني سانداً للفضاءِ المكاني الذي صار موحشاً، بسببِ طولِ الحقبِ وتغير الليل والنهار، ولكي يضفي حالةَ الإيحاش الشديد على المكانِ استعاض عن كل شيءٍ بصور النوقِ التي غدت ضامرةً هزيلةً مع رؤيةِ الأنقاض ، مؤثثاً للمكانِ  من حطام الخشب والمطايا وإحاطته بالفضاء الزماني المعاضد للفضاء المكاني الذي تسيدَ الأبيات وضوحاً وحضورا..

      وما ينفكُ الطللُ بارزاً في قصائد جرير "فالطلل مشهد قبيح يمثل طرفاً من ثنائية الحياة والموت أو الحاضر والماضي ويشير إلى شيخوخة المكان وتبدُّله" الموسى(21) وهو المُذَكِّرُ بعهدِ الحياة اللذيذة فتحولَ خراباً قبيحاً وما عاد كالأمسِ مُبهجاً فقد تغيرَ إلى الحزنِ: جرير(15)

أربّت بعينيكَ الدُّموعُ السَّـوافحُ

 

فلا العهدُ مَنسيٌ ولا الرَّبعُ بارحُ

       صار المكان سلبياً, وتتجلى الصورةُ الحزينةُ المنبعثةُ منه بـ(أربّت) الدالة على البعاد والديمومة فلا ينقطعُ الدمعُ حزناً وبكاءً، وباستعارةٍ مكنيةٍ جماليةٍ تعطي المشهدَ الصوريّ والمكانيَّ استمراريةً بكون الدمع يسفحُ سفحاً غيرَ منقطعٍ وكأنهُ شلالٌ ينصبُّ صباً غزيرا، رابطاً ذلك بالفضاء الزماني، فلا النسيانُ يحلُّ ولا المكان يندثر, فالطللُ يمثلُ قبحا مكانياً لأنه خاوٍ من الحضور متوشحٌ بالانقطاعِ والخرابِ بعد أن كان صاخباً بالحيويةِ..

    وهناكَ أمكنةٌ فيها من الوحشةِ والخوفِ ما يجعلها قبيحة في المنظورِ الإنساني لأنها قريبةٌ بعيدة موحشةٌ؛ لأنها خاوية ولا يسكنها سوى الموتى، ألا وهي القبور، فهي أمكنة موحشة ونظرةُ الإنسان إليها -غالبا-  تكون نظرة الخائف، ومهما تكن الحياةُ طويلة فلابُدَّ من السكنِ فيها، إلا أن جريرا جعل من القبور تقليباتٍ ومعانٍ متشعبة, ومما يطالعنا هي تلك النظرةُ المكانية لقبر الحبيبة، وإن كان القبحُ لا يرتبط بالموقف إلا أنَّ الألم والتحسر من أكثر انواع القبح الشعوري المتداخل مع المكان، ولاسيما عندما يكونُ الفقيدُ حبيباً قريباً وبعد أن كانَ أنيساً ملازماً كالزوجة: جرير(15)

لولا الحياءُ لعادني استعبــَـارُ

 

ولزرتُ قبركِ والحَبــيبُ يزارُ

ولقد نظرتُ، وما تمتّعُ نظرةٍ

 

في اللَّحدِ حيثٌ تمكنَ المحفارُ

     استهلالٌ جميلٌ قائمٌ على الامتناعِ عن البكاء خشية الحياء، وزيارة قبر الحبيبة وهو المكان الموحش حببهُ وجودها فيه، فلا يمكن أن يكون هذا المكان جميلاً، بغض النظر عن البعد الديني، وكونه روضةً من رياض الجنة أو لا، إلا أن المشهد هنا قائمٌ على الفراقِ ، والمكان مع قربه    بعيدٌ بالفراقِ والانقطاعِ الدنيوي الدائم، والزيارة هنا مفارقةٌ؛ لأنَّ جريراً جعل من القبر مكانا للزيارة، وهي دالة على قصر الزيارة المؤنسة لمكانٍ قبيح، وقد تكون اقتباسات من قوله تعالى{ألهَكُمُ التَكَاثُرُ حَتَّى زُرتُمُ المَقَابِرَ} (سورة التكاثر/1-2) ثم يعرّجُ إلى النظرة وهي المسكوت عنه في النص،  فكانت النظرة قبل الوفاة مفعمة بالحب والود واللذة بينما يتساءلُ متعجباً من نظرة القبر(فما تمتعُ نظرة ؟) إلى لحدٍ موحشٍ فالخبر أخفى هذا كله فـ(اللحدُ والمحفارُ) كلماتٌ لا جمالَ فيها جملها الشاعرُ بشحنها بحيوية الحزنِ والشوق إلى الحبيبة/الزوجة، وهذه القصيدة من أرق قصائد جرير فقد مزج فيها بين المعاني الإسلامية والجاهلية, وطالما يوظف جرير القبر في أشعاره ولكنه يغيرُ في التوظيف المكاني لقبح القبر بين متهكم وهاجي: جرير(15)

أحياؤهم شرُّ أحياءٍ والأمُه

 

والأرضُ تلفظُ مَوتاهُم إذا قُبرُوا

     هو إقذاعٌ في الهجاء جاء به بمفارقة ضديةٍ بين (أحياؤهم و موتاهم) ففي الحياةِ هم أشدّ الناس لؤما وشراً ، والقبور ترفض أجسادهم وتلفظها/ ترفضها إذا ماتوا, وهي استعارة بتشبيهه الأرض بالإنسان أوغيره من المخلوقات الحية, وتمجُّها الأرض كناية عن قذارتها, ومثل ذلك الاستعمال جاء في هجائه لخصمه اللدود الأخطل: جرير(15)

زارَ القُبورَ أبو مالكٍ

 

فكانَ كألأمِ زوارهـــا

      ببلاغة ردِّ العجز على الصدر (زار, زوارها) بدَّل رثاءه هجاءً، فجعله أقبح زوار القبور، وهنا الزيارة جاءت تهكماً وسخريةً منه فهو الخبيث الذي يزور المكان القبيح, ومن أجمل ما ورد في تقبيح المكان ما جاء في إحدى نقائضه ضد الفرزدق فقال جريرٌ هادماً قول الأول: جرير(15)

أخزى الذي سَمَكَ السَّماءَ مُجاشِعاً

 

وبنى بِنَاءَكَ في الحَضِيضِ الأسفلِ

بيتاً يُحــــــــمِّمُ قــــــينُكم بفَنــــائِهِ

 

دَنِساً مقاعـــدُهُ خَبيـــــــثَ المدخـلِ

ولقد بنيتَ أخسّ بيـــــــتٍ يُبـــتنى

 

 

فهدمــــــتُ بيــــتَكم بِمثلَي يــَـذبــُلِ

  جاءت هذه الأبيات ناقضةً لقصيدة الفرزدق الشهيرة: (الفرزدق,2006م, 2/209)

إنَّ الذي سَمَك السماءَ بَنـــى لنــَـا

 

بيـــــــتاً دعائمــُــهُ أعزُّ وأطــــوَلُ

      فجاء ردُ جرير بتقبيح المكانِ وتشنيعه، هادماً ما بناه الفرزدقُ فخرا، فشكّل الأبيات في سياق الهدم والتهكم والتسفيل، محولاً بيت/ دار الفرزدق إلى حضيضٍ بإقذاعٍ شديد الهدم والحط، ثم يبدأ بتأثيث البيت بمكانيات القبح، فصارت الأبيات تسير في نسق القبح بجمالية الأسلوب والتهكم والهدم، فكان هذا التأثيثُ مرتبطا بهيكلة البيت/ الدار، والساكنين فيه، ( الحضيض، الأسفل، بفنائه، دنسا مقاعده، خبيث المدخل، أخسّ بيت) كلها الفاظٌ دالة على القبح والهبوط، وقذارة ساكنيه (يحمم قينكم بفنائه) فقد رسم جريرٌ صورةً محبوكة وملونة بألوان القبح التي رسمها بمهارة الفنان وريشة الرسام, وتوظيف المكان الخسيس جاء متكرراً في شعر جرير كقوله: جرير(15)

لشتّانَ مَن يَحمي مَعَداً من العِدى

 

ومَن يسكُنُ الماخورَ في من تمخَّرا

    فثمة فرقٌ شاسعٌ بين مكانِ القتالِ والعزةِ، وبين بيت الدعارة بقذارته وفحشه.. ويقول جرير(15)

إذا تيـــمٌ ثَوَت بصَعيـــدِ أرضٍ

 

بكى مِن خُبث ريحِهِمُ الصَّـعيــدُ

     بجمالية رد العجز على الصدر(بصعيدِ، الصعيدُ) حبك المكان، الذي يكون قبيحا خسيساً سلبياً اذا حلت به تيم فتدويرُ الصعيد جعل البيت الشعريَ متناسقاً.. وينتقلُ من المكان الدنيوي إلى المكان الاخروي حينما يقتبس مكان النار من القرآن الكريم  {مَا سَلَكَكُم فِي سَقَرَ} (سورة المدثر/42) فيقول: جرير(15)

وما رضيتُم لأجسادٍ تُحَرِّقُهـُــم

 

في النَّار إذ حَرَّقَت أرواحَهم سَقرٌ

    وبهذا أعطى جريرٌ للقبح المكاني جماليةً إبداعيةً صياغةً وأسلوباً، جعلت المتلقي يستشعرُ ذلك الحضور النسقي الجميل للنص الشعري، وهو ما يبحثُ المتلقي عنه في النصوص الأدبية الإبداعية والتجربة الشعرية التي صاغت من الأمكنة فناً جمالياً بتلوين القبيح بألوانٍ وتشكيلات فنية متألقة..

    وللزمن حضورٌ جليٌ في شعر جرير, وذلك الحضور جاء في سياقات التقلب الزمني وما يخلفه من ألم الكبر ووهن العظام, وشعور بتقلبات الزمن, وهو إحساس موحشٌ يجعل التغيرات السلبية إبداعا شعرياً تسوقه التجربة الشعرية بحركية وديناميكية دافعة لسد النقص النفسي الناتج عن هذه الاختلافات: جرير(15)

حيّوا أمامةَ واذكروا عهدا مضى

 

قبل التصدّعِ من شماليلِ النـــــوى

قالت: بليتَ، فما نـــراكَ كعهدنــا

 

ليت العهــــودَ تجدّدت بعد البلـــى

ورأت أمامةُ في العظامِ ، تحنّيــاً

 

بعد استقامتها وقصراً في الخطـــا

ورأت بلحيتــهِ خضابــاً راعهـــا

 

والويلُ للفتياتِ من خضبِ اللحــى

وتقولُ إنـــــــي قد لقيــــتُ بليـــةً

 

من مسحِ عينك ما  يزالُ بهــا قذى

      الأبياتُ متخمةٌ بالتوجع والألم الذي سببه تغيُرِ الزمنِ وتبدله، فثمة عرضٌ يثيرُ الشجون لوصف حالةٍ يدأب جريرٌ على ذكرها، ولاسيما في مطالع قصائده، بسردٍ يشي بالألم وهو من أشكال القبح, فهناك علاقة بين القبح والألم  ابو زيد(22) ؛ فلا يوجدُ ألمٌ جميل، فيثيرُ مشاعره إعراض النساء الجميلات عنه، فكلماتهٌ حُبلى بالتوجُعِ من خلال (التصدع، النوى، شماليل، بليت، البلى، الجوى، تحنيا، قصراً في الخُطا، خضب اللحى، قذى) كل لفظةٍ من هذه الألفاظ جعلت الأبيات تزخرُ بالقبح الحالي, والتبدل الزماني والوحشة العُمرية التي صاغها الشاعر بجماليةِ و بأسلوب حواريٍ جعل النسق الشعري ينساب بالحوار الذي وشَّج الأبيات، ولاسيما أن الإنسان يعاني اغتراباً نفسياً عندما يتقادم به العمر، وتُثقِلُ كاهله السنون، وتزداد أعضاؤه نقصاً، ويغدو سُخريةً للنساء، اللاتي يناضلُ جاهداً في خطبِ ودّهنَّ فقد أصبحَ حطاماً، حول الحبيبة إلى متهكمة بصيغة استفهامية (كيف الصبابة بعدما ذهب الصبا؟) وهذا  القولُ لا يبدرُ منها لولا رؤيتها انحناء الظهر وتعسر المشي وتغيير لون اللحية بالحناء لتخفي الشيب، وهذه علاماتُ قبح العمر، مع زيادة القبح في رؤية القذى في العين وهي كناية عن العجز المولِّد للقبح " فالقبح يهدف إلى تصوير العالم في غرابته أوغربته, أي أن العالم المألوف يكتسب, من منظور معين, غربة" الرويلي والبازعي(2) وإنكار الماضي بكل حيويته يجعل جرير متوجعاً فيقول: جرير(15)  

أنكرنَ عَهدَكَ بعد ما يعرفنَه

 

ولقد يكُنَّ إلى حديثك صُوّرا

ورأينَ ثوبَ بشاشةٍ أنضـيتهُ

 

فجمعن عنك تجنُّباً ونُفــُورا

ليتَ الشبابَ لنا يعـُودُ كعهدهِ

 

فلقد تكونُ بشرخهِ مَسـرُورا

وبكيتَ لَيلكَ لا تنامُ لطولــــهِ

 

 

ليل التّمامِ وقد يكونُ قَصيرَا

       لا يخضعُ القبحُ للفظةٍ واحدةٍ، بل تشتركُ في تركيبهِ وتشكيلهِ المشاعرُ والحالة النفسية، وتراجع الشعور بالسعادة، والحزن على ما فات من سعادة الأيام، وإنكار الزمن الماضي يعدُ قبحاً أخلاقياً، ومن هذه النقطة نُسِجت الأبياتُ، فمما يزيدُ الألم ويضاعفه العودة إلى العهدِ القديم الذي كنَّ يردنه عهدا ولّى ولن يعود (ليت الشباب لنا يعودُ كعهده)، فبعد أن كنَّ شاخصاتٍ بتشبيهٍ بليغٍ فقد كنّ كالصور الثابتة؛ لسماع الحديث، صِرن ناكراتٍ لذلك العهد الجميل الذي كان ببشاشته وجماله مفعماً بالحيوية، وباستعارة بلاغية كسا العهد القديم بثوب البشاشة الخَلِق، فجريرُ يحاول بنسق التاريخ أن يعقد مقارنة تضادية قائمةّ على الحاضر والماضي، الحاضرُ بقبحهِ الحالي وما يكتنفه من وجعٍ وهرمٍ وشيخوخةٍ وضعفٍ وانحناءٍ وقبحٍ في الأفعال (أنكرن، تجنبا، نفورا) فالصورة السوداوية مهيمنةٌ على المشهدٍ، والماضي المُشرقٍ الجميلٍ المفعمٍ بالحيويةِ ( ولقد يكن إلى حديثك صوّرا، فلقد تكونُ بشرخهِ مسرورا) ، وكأنه يشتت الحاضر القبيح بمفرداتِ، ويجمع الماضي الجميل بتراكيبَ مجتمعةٍ خاتماً المشهد المأساوي  بطول زمن الليلة التي أطالها البكاء والعجز والقهر والكبرُ.. وشدةُ وطأة الزمن قائمة في أبيات جرير لا تفارقه، لأنّ الزمن يشكل فضاءً يجعلُ النص الشعري يعجًّ بالحركيةِ الدافعةِ إلى أسر المتلقي وجعله متحدا مع إحساس الشاعر, ومن ذلك قوله جرير(15)

أقولُ لها من ليلةٍ ليس طُولُها

 

كطولِ اللّيالي ليت صُبحَكِ نوّرا

 

      يخاطبُ الليل وكأنه يؤنسِنُهُ ويحاورُه، يشكو طوله، ويرجو انجلاءه وإحلال الصباح المنير محله، وهو يقتفي بهذه الصورة أثر امرئ القيس في معلقته (الزوزني, د.ت,23) وهو معنى معهود عند الشعراء الذين يشكون طول الليلة الذي قبحه الهمّ والقلق.. ويزدادُ القبحُ إيلاماً عندما يتمنى من كن بوصاله راغبات, فصرن لهلاكه راجيات لشيخوخته: جرير(15)

وإذا الشيوخُ تعرّضوا لمودَّةٍ

 

قُلنَ الترابُ لكلِّ شيخٍ أدردا

        ثمة وقاحةٌ تصورها النسوة تجاه الشيخ الكبير الذي رأينه هرما، اقترب من الموت فما عُدنَ لوصاله راغبات، ولا للقائه منتفعات، ولأنه أمسى شيئا خَلِقا لا فائدة مرجوة منه - بنظرهن- يردنَ هلاكه، ويُوظف  لفظة (الأدرد) كناية عن ذهاب أسنانه وشدة هرمه, ومن ذلك أو قريبا منه يقول: جرير(15)

إذا أنتَ زرتَ الغانياتِ على العصا

 

تمنَّين أن تُسقى دماء الأساود

       دماء الأساود كناية عن تمني موته, وهذه الصور الشعرية كثيرة في شعره عبَّر بها جرير عن إبداعاته الشعرية, متخذا من الزمن لوحة يرسم على جدرانها تجاعيد هرمه وقسوة عمره وبطش ضعفه.

وفي الختام يمكن للدراسة القول:

  • إن القبح يخضع للانزياح الشعري؛ بكونه يقف ضد الجمال, والإبداع الشعري لا يقعُ أسيرَ قوانين قبح المضمون وجماله, بل لجماليات التجربة الشعرية ومهارة الشاعر  وإبداعه في محاكاة الواقع بصياغة خلّاقة تجعلُ المتلقي يستشعرُ تلك الجمالية ويطربُ لها دون التأثر بقبح المضمون.
  • مثلت الأسطورةُ حقلاً ظاهراً في شعرِ جرير، فهي ذاكرةٌ راسبةٌ في العقليةِ الجمعيةِ لأي مجتمع, وقد استثمرها جرير في سياق السخرية والتهكم.
  • شكَّل الاستجداء في شعر جرير ظاهرة لافتة, إذ جاءت مطردة وبكثرة؛ لأنَّ جريرًا استثمر كثرة دخوله على الخلفاء والولاة فأكثر من مدحهم وطلب العطاء منهم, فيمكن الوقوف على هذه الظاهرة ودراستها في شعره .
  • نستشف من شعر جريرٍ أنه يستثمرُ المشاهد الصاخبة للقتل والترويع, فتأتي جمالية الرعب في وصف الممدوح وتطويقه بهالةٍ مُرهبة، ليجعل منه مثالًا في القوة والسطوة, وإثارة مشاعر الدهشة لدى المتلقي من خلال إنتاج عوالم تخييلية مفارقة للواقع أو تندرج على وفق قوانينه.
  • ووجد البحث حقلًا واسعًا للقبحِ المعنوي في شعرِ جرير، وتشكيلهِ للصورة القبيحةِ بصيغةٍ تجعلُ القبحَ الصوريَ إبداعًا جماليًا مع الحقل الدلالي القيمي الواسع للمجتمع .
  • برز المكانُ فضاءً رحباً في شعر جرير، وقد أضفى الشاعرُ عليه بُعدًا إنسانيًا، مازجًا بين وحشةِ المكانِ وساكنيهِ الذين هجروه، فرسمَ صورةَ للأطلال التي صارت مُقفرةً خاليةً من أهلها.
  • ووجد البحث أن للزمان حضورًا جليًا في شعر جرير, وذلك الحضور جاء في سياقات التقلب الزمني وما يخلفه من ألم الكبر ووهن العظام, وشعور بتقلباته.

    المصادر والمراجع

  1. Lisan al-‘Arab, Ibn Manzur. (1414 AH). Beirut: Dar Sader. (3rd ed.)
  2. Al-Ruwaili, M., & Al-Bazzi, S. (2002). Dalil al-Naqid: Illumination on more than seventy contemporary critical trends and terms (3rd ed.). Casablanca, Morocco: Cultural Center.
  3. Al-Bazour, Ahmad Muhammad. (2020). Ugliness in Arabic poetry: A cultural critical reading. Journal of Humanities and Social Sciences, 47(1).
  4. Ibn al-Khatib, Lisan al-Din. (n.d.). Rawdat al-Ta‘rif bil-Hubb al-Sharif (A. Q. Ahmad, Ed.). Cairo, Egypt: Dar al-Fikr al-‘Arabi.
  5. Ibn Rashiq al-Qayrawani. (1981). Al-‘Umda fi Mahasin al-Shi‘r (5th ed.). Beirut: Dar Jil.
  6. Abu Hilal al-‘Askari. (1952). Kitab al-Sina‘atayn (M. Abu al-Fadl & A. Mahmoud, Eds.). Beirut: Dar Ihya’ al-Kutub al-‘Arabiyya.

 

  1. Abu Hayyan al-Tawhidi. (n.d.). Al-Imtina‘ wa al-Mu’anasa (A. Amin & A. Al-Zein, Eds., 2nd ed.). Cairo: Committee for Authorship, Translation, and Publishing.
  2. Amira Hilmi Matar. (1989). Introduction to aesthetics and philosophy of art. Cairo: Dar al-Ma‘arif.
  3. Abdullah ibn Muslim ibn Qutaybah al-Dinuri. (1985). ‘Uyoon al-Akhbar (Y. A. Tawil, Ed.). Beirut, Lebanon: Dar al-Kutub al-‘Ilmiyya.
  4. Nu‘man Muhammad Amin Taha. (1968). Jarir: His life and poetry. Cairo, Egypt: Dar al-Ma‘arif.
  5. Sa‘d al-Din Kleib. (n.d.). Aesthetics of ugliness and strangeness in Sayf al-Ruhbi’s poetry (Dictionary of Hell) as a model. Dirasat Journal.
  6. Hanaa Ismail. (2013). The beautiful and the ugly from a critical philosophical perspective. Al-Mawqif al-Adabi.
  7. Farouk Khourshid. (2002). The mythologist among the Arabs. Al-Alam al-Ma‘rifa, 284.
  8. Firas Al-Sawah. (2002). The first adventure of the mind: A study in mythology (3rd ed.). Damascus, Syria: Dar Alaa Al-Din.
  9. Iliya Al-Hawi. (1983). Explanation of Jarir’s Diwan (2nd ed.). International Book Company.
  10. Abu al-Hasan Ali al-Mas‘udi. (1988). Muruj al-Dhahab wa Ma‘adin al-Jawhar (M. M. ‘Abd al-Hamid, Ed.). Saida, Beirut: Al-Maktaba al-‘Asriya.
  11. Ali Jawad. (1978). Al-Mufassal fi Tarikh al-‘Arab Qabl al-Islam. Beirut: Dar al-‘Ilm lil-Malayin / Baghdad: Maktabat al-Nahda.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  1. Abdul Qadir Al-Qatt. (1995). On Islamic and Umayyad poetry. Cairo, Egypt: Dar al-Ma‘arif.
  2. Shawqi Daif (1959). Development and renewal in Umayyad poetry (4th ed.). Cairo, Egypt: Dar al-Ma‘arif.
  3. Arab Cultural Center. (2000). Cultural criticism: Reading Arab cultural systems. Casablanca, Morocco.
  4. Khalil Al-Mousa. (2010). From the space of imagination to the space of interpretation: A stylistic and aesthetic study of ancient poetry. Damascus, Syria: Publications of the Union of Writers.
  5. Ashraf Amin Jad Abu Zaid. (n.d.). Aesthetics of ugliness in pre-Islamic poetry: The woman as a model. College of Arts and Humanities Journal, 24(3).
  6. Faris Yasin Al-Hamdani. (2024). Introduction to poetry in the medieval period: Ibn Nabata al-Masri selection. Mosul, Iraq: Dar Noon.
  7. Yusuf Al-Yusuf. (1983). Articles in pre-Islamic poetry (3rd ed.). Damascus, Syria: Ministry of Culture and National Guidance Publications.
  • Abu Faraj al-Isfahani. (n.d.). Al-Aghani (S. Jaber, Ed.). Beirut, Lebanon: Dar al-Fikr.
  • Majid Tarad. (2006). Diwan al-Farazdaq (Ed.). Beirut, Lebanon: Dar al-Kitab al-‘Arabi.
  • Al-Hussein ibn Ahmad Al-Zawzani. (n.d.). Explanation of the seven Mu‘allaqat. Baghdad: Maktabat al-Nahda.

Ahmed Al-Hussein. (2011). The literature of cunning in the Abbasid era: A study on beggars and mendicants. Damascus, Syria: Publications of the Syrian General Book Authority.

Nasrat Abdul Rahman. (2012). Artistic imagery in pre-Islamic poetry in light of modern criticism. Amman, Jordan: Dar Kunooz Al-Ma‘rifa.Jean-Marie Guyau. (1965). Problems in contemporary philosophy of art (S. Al-Droubi, Trans.). Beirut, Lebanon: Dar Al-Yaqdha.

 

  1. Lisan al-‘Arab, Ibn Manzur. (1414 AH). Beirut: Dar Sader. (3rd ed.)
  2. Al-Ruwaili, M., & Al-Bazzi, S. (2002). Dalil al-Naqid: Illumination on more than seventy contemporary critical trends and terms (3rd ed.). Casablanca, Morocco: Cultural Center.
  3. Al-Bazour, Ahmad Muhammad. (2020). Ugliness in Arabic poetry: A cultural critical reading. Journal of Humanities and Social Sciences, 47(1).
  4. Ibn al-Khatib, Lisan al-Din. (n.d.). Rawdat al-Ta‘rif bil-Hubb al-Sharif (A. Q. Ahmad, Ed.). Cairo, Egypt: Dar al-Fikr al-‘Arabi.
  5. Ibn Rashiq al-Qayrawani. (1981). Al-‘Umda fi Mahasin al-Shi‘r (5th ed.). Beirut: Dar Jil.
  6. Abu Hilal al-‘Askari. (1952). Kitab al-Sina‘atayn (M. Abu al-Fadl & A. Mahmoud, Eds.). Beirut: Dar Ihya’ al-Kutub al-‘Arabiyya.

 

  1. Abu Hayyan al-Tawhidi. (n.d.). Al-Imtina‘ wa al-Mu’anasa (A. Amin & A. Al-Zein, Eds., 2nd ed.). Cairo: Committee for Authorship, Translation, and Publishing.
  2. Amira Hilmi Matar. (1989). Introduction to aesthetics and philosophy of art. Cairo: Dar al-Ma‘arif.
  3. Abdullah ibn Muslim ibn Qutaybah al-Dinuri. (1985). ‘Uyoon al-Akhbar (Y. A. Tawil, Ed.). Beirut, Lebanon: Dar al-Kutub al-‘Ilmiyya.
  4. Nu‘man Muhammad Amin Taha. (1968). Jarir: His life and poetry. Cairo, Egypt: Dar al-Ma‘arif.
  5. Sa‘d al-Din Kleib. (n.d.). Aesthetics of ugliness and strangeness in Sayf al-Ruhbi’s poetry (Dictionary of Hell) as a model. Dirasat Journal.
  6. Hanaa Ismail. (2013). The beautiful and the ugly from a critical philosophical perspective. Al-Mawqif al-Adabi.
  7. Farouk Khourshid. (2002). The mythologist among the Arabs. Al-Alam al-Ma‘rifa, 284.
  8. Firas Al-Sawah. (2002). The first adventure of the mind: A study in mythology (3rd ed.). Damascus, Syria: Dar Alaa Al-Din.
  9. Iliya Al-Hawi. (1983). Explanation of Jarir’s Diwan (2nd ed.). International Book Company.
  10. Abu al-Hasan Ali al-Mas‘udi. (1988). Muruj al-Dhahab wa Ma‘adin al-Jawhar (M. M. ‘Abd al-Hamid, Ed.). Saida, Beirut: Al-Maktaba al-‘Asriya.
  11. Ali Jawad. (1978). Al-Mufassal fi Tarikh al-‘Arab Qabl al-Islam. Beirut: Dar al-‘Ilm lil-Malayin / Baghdad: Maktabat al-Nahda.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  1. Abdul Qadir Al-Qatt. (1995). On Islamic and Umayyad poetry. Cairo, Egypt: Dar al-Ma‘arif.
  2. Shawqi Daif (1959). Development and renewal in Umayyad poetry (4th ed.). Cairo, Egypt: Dar al-Ma‘arif.
  3. Arab Cultural Center. (2000). Cultural criticism: Reading Arab cultural systems. Casablanca, Morocco.
  4. Khalil Al-Mousa. (2010). From the space of imagination to the space of interpretation: A stylistic and aesthetic study of ancient poetry. Damascus, Syria: Publications of the Union of Writers.
  5. Ashraf Amin Jad Abu Zaid. (n.d.). Aesthetics of ugliness in pre-Islamic poetry: The woman as a model. College of Arts and Humanities Journal, 24(3).
  6. Faris Yasin Al-Hamdani. (2024). Introduction to poetry in the medieval period: Ibn Nabata al-Masri selection. Mosul, Iraq: Dar Noon.
  7. Yusuf Al-Yusuf. (1983). Articles in pre-Islamic poetry (3rd ed.). Damascus, Syria: Ministry of Culture and National Guidance Publications.
  • Abu Faraj al-Isfahani. (n.d.). Al-Aghani (S. Jaber, Ed.). Beirut, Lebanon: Dar al-Fikr.
  • Majid Tarad. (2006). Diwan al-Farazdaq (Ed.). Beirut, Lebanon: Dar al-Kitab al-‘Arabi.
  • Al-Hussein ibn Ahmad Al-Zawzani. (n.d.). Explanation of the seven Mu‘allaqat. Baghdad: Maktabat al-Nahda.

Ahmed Al-Hussein. (2011). The literature of cunning in the Abbasid era: A study on beggars and mendicants. Damascus, Syria: Publications of the Syrian General Book Authority.

Nasrat Abdul Rahman. (2012). Artistic imagery in pre-Islamic poetry in light of modern criticism. Amman, Jordan: Dar Kunooz Al-Ma‘rifa.Jean-Marie Guyau. (1965). Problems in contemporary philosophy of art (S. Al-Droubi, Trans.). Beirut, Lebanon: Dar Al-Yaqdha.

 

Volume 3, Issue 3
Summer 2025
Pages 157-166

  • Receive Date 19 August 2024
  • Revise Date 07 October 2024
  • Accept Date 23 October 2024
  • Publish Date 06 September 2025