نوع المستند : Original Article
المؤلف
كلية التربية للعلوم الإنسانية/قسم اللغة العربية/جامعة الموصل
الكلمات الرئيسية
|
|
|
|
|||||
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية |
|||||||
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/ |
|||||||
|
|
|||||||
|
|
|||||||
|
بلاغة الطباق في مجموعة "خطايا الذاكرة" للشاعر سالم الغزولة
|
|||||||
محمود عبدالجبار محمود |
|||||||
|
|
|||||||
|
كلية التربية للعلوم الانسانية، قسم اللغة العربية، جامعة الموصل، نينوى، العراق |
|||||||
|
|
|||||||
|
Article Information |
|
المستخلص |
|||||
|
Article history: Received: 9 October 2025 Revised: 9 November 2025 Accepted:19 November 2025 |
|
يُعَدُّ الطباق أحد أهم الفنون البلاغية التي ينهض عليها البناء الشعري، فهو يعمل على خلق عالم لغوي موازٍ للواقع، أكثر حيوية وإشراقاً. ومن بين هذه المحسنات البلاغية، يبرز الطباق بوصفه تقنيةً فنيةً عميقةً، لا تقتصر وظيفتها على الزخرفة اللفظية، بل تتعداها إلى الكشف عن رؤية الشاعر للعالم، وتعريَةِ تناقضاته الكامنة. وقد اخترنا أن يكون موضوع بحثنا هو دراسة هذه الظاهرة البلاغية في مجموعة "خطايا الذاكرة" للشاعر العراقي سالم الغزولة، الذي استطاع أن يصوغ من ألم الغربة ووجع الذاكرة وجمال الحب، عالمًا شعريًا مأزومًا، تتقاطع فيه الثنائيات الضدية لتخلق نسيجاً دلالياً مكثفاً. وتأتي هذه الدراسة لتحلل الأبعاد الجمالية والدلالية للطباق في نصوص المجموعة، ساعيةً إلى الكشف عن كيف أسهم هذا المحسن البلاغي في تشكيل رؤية الشاعر، وفي التعبير عن هموم إنسان يعيش صراعاً بين الماضي والحاضر، بين الحلم والواقع، بين البراءة وخطيئة التذكر. وسيعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال تتبع نماذج الطباق وتحليلها في سياقاتها المختلفة، للوصول إلى الدلالات التي ترمي إليها. الكلمات المفتاحية: الطباق ، بلاغة ، خطايا الذاكرة ، الشعر العربي |
|||||
|
Keywords: Antithesis, Rhetoric, Sins of Memory, Arabic Poetry |
|||||||
|
Corresponding Author Mahmoud Abdul-Jabbar Mahmoud [email protected] |
|||||||
|
|
|
|
|||||
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v4.i1.a16 ©Authors, 2026, College of Education, Alnoor University. This is an open -access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/). |
|||||||
|
This Photo by Unknown Author is licensed under CC BY-SA |
The Rhetoric of Antithesis in the Collection “Sins of Memory” by the Poet Salem Al-Ghazooleh
M. A-J. Mahmoud
College of Education for Humanities, Department of Arabic Language, University of Mosul, Nineveh, Iraq
Abstract
Antithesis is considered one of the most significant rhetorical arts upon which poetic structure is built, as it creates a linguistic world parallel to reality—one that is more vivid and radiant. Among these rhetorical devices, antithesis emerges as a profound artistic technique whose function is not limited to verbal embellishment; rather, it reveals the poet’s vision of the world and exposes its underlying contradictions. We have chosen to make the subject of our study an examination of this rhetorical phenomenon in the collection “Sins of Memory” by the Iraqi poet Salem Al-Ghazooleh, who was able to craft from the pain of exile, the ache of memory, and the beauty of love a troubled poetic world in which opposing dualities intersect to create a dense semantic texture.
This study aims to analyze the aesthetic and semantic dimensions of antithesis in the texts of the collection, seeking to uncover how this rhetorical device contributed to shaping the poet’s vision and expressing the concerns of a human being who lives in a struggle between past and present, between dream and reality, between innocence and the sin of remembering. The research will adopt the descriptive-analytical method through tracing examples of antithesis and analyzing them in their various contexts to arrive at the intended meanings.
أولًا : الإطار النظري : الطباق.. مفهومه وأنواعه.
تعريف الطباق:
أ- الطباق في اللغة: كل مصطلح لا يمكن أنْ يوجد ويولد إلا من رحم اللغة، فالطباق فن بلاغي من فنون البديع له جذره اللغوي الذي نشأ منه؛ إذ جاء في المعجم (( وقد طابقه مطابقة وطباقا . وتطابق الشيئان : تساويا . والمطابقة : الموافقة . والتطابق : الاتفاق . وطابقت بين الشيئين إذا جعلتهما على حذو واحد وألزقتهما . وهذا الشيء وفق هذا ووفاقه وطباقه وطابقه وطبقه وطبيقه ومطبقه وقالبه بمعنى واحد . ومنه قولهم : وافق شن طبقه . وطابق بين قميصين : لبس أحدهما على الآخر . والسماوات الطباق : سميت بذلك لمطابقة بعضها بعضا أي بعضها فوق بعض ، وقيل : لأن بعضها مطبق على بعض)). (المصري ابن منظور، د.ت ، 210) (1).
فالطباق هو الجمع بين معنيين متقابلين في الكلام، بهدف تحقيق تأثير بلاغي معين. وهو يجعل الكلام أكثر حيوية وأشد تأثيراً في نفس المتلقي. و(( الطباق والمطابقة لغة: مصد طابق يطابق طباقا ومطابقة، مثل: قاتل يقاتل قتالا ومقاتلة، والمطابق من الخيل والإبل: أن يضع الفرس رجله موضع يده)). (الأزهري، د.ت، 30) (2). ثم صار الطباق يدل على الجمع بين الشيئين، يقال: فلان طابق بين ثوبين، أي جمع بينهما. (العسكري، 1952، 307) (3).
ب- الطباق في الاصطلاح: لقد ورد في معجم المصطلحات البلاغية لأحمد مطلوب أن الطباق ((هو التضاد والتطبيق والتكافؤ والمطابقة والمقاسمة)) (مطلوب، 2006، 66) (4)
لقد عرّفه ابن رشيق القيرواني (456ه) (4) بقوله: (( المطابقة في الكلام: أن يأتلف في معناه ما يضاد في فحواه والمطابقة عند جميع الناس: جَمْعُكَ بين الضدين في الكلام أو بيت شعر، إلا قدامة ومن اتبعه؛ فإنهم يجعلون اجتماع المعنيين في لفظة واحدة مكررة طباقا.)) (القيرواني، 1955، 5). وعرفه السكاكي (626ه) بقوله: ((أن تجمع بين متضادين)). (السكاكي، 2011، 533) (6).
أنواع الطباق:
أ. الطباق الإيجابي (المطابقة): وهو أن يُذكر الشيء وضده في معنى إيجابي، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ (الكهف: 18). (أيقاظ ≠ رقود).
ب. الطباق السلبي (المخالفة): وهو أن يُذكر الشيء وينفى ضده باستخدام أداة نفي، أو أن يكون أحد المتطابقين منفياً، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (الحشر: 20).
الوظائف البلاغية للطباق:
· التضاد والإبراز: يجعل الطباق كلا المتقابلين أوضح بوضوح ضده.
· خلق التوازن الموسيقي: يعطي النص إيقاعاً جميلاً نتيجة تقابل الكلمات.
· تعميق الدلالة: يكشف عن تناقضات الوجود والذات، مما يضيف طبقات من المعنى.
· إظهار المفارقة: يُبرز الفجوة بين ما هو متوقع وما هو واقع.
ثانيا: السياق العام لمجموعة (خطايا الذاكرة).
الشاعر سالم الغزولة: شاعر عراقي معاصر، عاش تجربة قاسية مع الحرب والغربة. تتميز لغته بالشفافية والعُمق، يمزج بين البساطة والترميز. تأتي نصوصه محمَّلة بهواجس الذاكرة العراقية، والحنين المؤلم، والبحث عن الجمال في وسط الدمار.
سيمياء العنوان: (خطايا الذاكرة) العنوان نفسه يحمل ثنائية طبقية مثيرة: في لفظة (خطايا) (ذنب، إثم، زَلل)، التي تقابل (ذاكرة) (وعي، تاريخ، براءة). هذا التناقض يطرح إشكالية مركزية مفادها: هل التذكر خطيئة؟ هل حمل الماضي عبءٌ أم إنه نعمة؟ هذه الثنائية هي الوقود الذي يشغل محرك النصوص في المجموعة.
الموضوعات المركزية: تتعدد الموضوعات ولكنها تدور حول أقطاب متقابلة:
(الحب والفقدان)، (الوطن والمنفى)، الماضي (الجميل/المؤلم) والحاضر (القاتم).
ثانيا: الإطار التطبيقي.
((مرايا..!!
إلى الصديقة الشاعرة إيمان منودي من المغرب / شفشاون..
أعيريني بصيصا..
من وهج ابتسامك..
أضيء به أمواج عمري البعيدة..
ضميني مساء شاردا..
إلى بريق عينيك..
أعد نجوم ليلك المسافر إلى ماضيي..
ألملم بريق ثغرك المتبسم..
غروب يعانق أحضان الهدوء..
كل شيء استسلم للسكون..
لا أحد هنا ولا هناك سوانا..
الكل مندهش..
الكل منذهل..
سيدة الابتسام..
أرسم لي وطنا من ضحكاتك..
فوق خارطة أحزاني..
أغرز دبابيس جمالك في ذاكرتي..
أرحل منك إليك..
قوافلي راكدة في عرض البحر..
ترقب فنار ابتسامك المضيء..
أعيريني حرفا..
يحتل قامة أوجاعي..
اغسلي وجعي ببرد ثناياك..
سيدة الأعوام..
سيدة الأنام..
سيدة الأحلام..
سيدة الحرف والكلام..
سيدة الإبتسام..
اعجني طينة خلقي..
بماء ضحكاتك..
أعيدي نسج تكويني..!!)) (الغزولة، 2022، 1-3) (7)
تحمل القصيدة خطابًا غراميًا وجدانيًا يوجهه المتحدث إلى محبوبته، التي يجسدها في صورة (سيدة الابتسام)، فالمحبوبة هنا ليست مجرد امرأة، بل هي مصدر للضوء، والحياة، والخلاص، والجمال. يعيش المتحدث في حال من الألم والتيه (أمواج عمري البعيدة، أحزاني، أوجاعي) ويبحث في ابتسامتها عن ملاذٍ يوفر له الطمأنينة ويعيد له تشكيل عالمه ووجوده.
يشكل الطباق الفن الأكثر حضورا في شعر الغزولة، وهو من أكثر المحسنات البديعية ظهوراً في هذه القصيدة؛ إذ يشكل العمود الفقري للصراع الداخلي والتحول الذي يعيشه المتحدث.
لننظر إلى أمثلة الطباق وآثاره في هذه القصيدة:
1. طباق الضد بين حالتي المتحدث والمحبوبة:
(أمواج عمري البعيدة)، (تيه، بعد، اضطراب) ← مقابل → (بريق عينيك) / (فنار ابتسامك المضيء)، (ثبات، إرشاد، أمان). فالأثر الجمالي يخلق صورة قوية للمتحدث التائه في بحر الحياة المظلم، بينما تمثل المحبوبة المنارة أو النجم الذي يهديه إلى بر الأمان. هذا التضاد يبرز مدى حاجته إليها كمنقذ. [أحزاني] (حزن، ثقل، اكتئاب) ← مقابل → [ضحكاتك] (فرح، خفة، انطلاق). فهنا يتجلى الأثر الجمالي في حلول الفرح محل الحزن. طلب المتحدث (ارسم لي وطنا من ضحكاتك فوق خارطة أحزاني) وهذا تعبير غاية في الروعة. إنه لا يطلب محو الحزن، بل يطلب بناء وطن للفرح فوقه، مما يعطي صورة للفرح وهو يعلو ويتغلب على الحزن.
[وجعي]، (ألم، حرارة) ← مقابل → [برد ثناياك]، (راحة، برودة، سكينة)؛ إذ يستخدم التضاد هنا لخلق إحساس فيزيائي بالعلاج. فكما يغسل الماء الساخن الجرح بالماء البارد لتسكينه، تطلب الغسل من الألم ببرودة وعذوبة ثغره المتبسم، مما يوحي بقدرة ابتسامتها على تلطيف الألم وإطفاء حرارته.
2. طباق التضاد بين الظلام والنور: وهذا النوع من الطباق يهيمن على القصيدة ويخدم فكرتها المركزية. [مساء شاردا، ليل مسافر، غروب] تدل على (الظلام، النهاية، الغياب) ← مقابل → [بصيص، وهج، بريق، فنار مضيء] تدل على (النور، البداية، الحضور). فيصور الشاعر القصيدة كمعركة بين الظلام والنور. الظلام هو حالته الأصلية (عمريه، ماضيه، أحزانه)، والنور هو هبة منها (ابتسامتها، عينيها، ضحكاتها). هذا التضاد البصري القوي يخلق دراما وجمالاً بصراً ويجعل فعل الإنقاذ الذي تقوم به أكثر تأثيراً.
3. طباق التضاد بين السكون والحركة:
[استسلم للسكون، راكدة] تدل على (الجمود، الموت) ← مقابل → [أرسم، أغرس، أرحل، اعجني، أعيدي نسج] تدل على (الحركة، الخلق، الحياة). فيظهر هذا التضاد في الجزء الثاني من القصيدة؛ إذ يتحول المتحدث من حالة الاستسلام والسكون (كل شيء استسلم للسكون) إلى حال من الدعوة النشطة للخلق والتشكيل (اعجني طينة خلقي، أعيدي نسج تكويني). المحبوبة هي المحفز لهذه الحركة الجديدة، وهي التي تنقله من السلبية إلى الفعل.
4. طباق التضاد في الانزياح المكاني (الرحيل والوصول):
[أرحل منك إليك] هذه الجملة هي قمة البلاغة في القصيدة وهي تضاد عجيب. [الرحيل منك] يعني المغادرة والبعد، وهو ألم. لكن [الرحيل إليك] يعني الوصول والقرب، وهو نعيم. يدمج الشاعر الضدين في فعل واحد ليعبر عن فكرة أن وجوده معها هو رحلة وجدانية داخل عالمها، حتى وإن كان جسدياً بعيداً. إنها رحلة داخل الذات والعلاقة، وليس في الجغرافيا.
ثالثاً: أثر الطباق الكلي في تحقيق جماليات النص: لم يكن استخدام الطباق في هذه القصيدة عشوائياً أو مجرد محسِّن بلاغي جاء لتزيين، بل جاء حضوره عميقاً وهادفاً.
فقد عكس التضاد الحاد بين مفردات الألم ومفردات الفرح حالة الصراع والتمزق التي يعيشها المتحدث، مما جعل تجربته العاطفية أكثر صدقاً وعمقاً. فضلا عن أن حركة التضاد المستمرة أعطت القصيدة إيقاعاً داخلياً يشبه حركة الأمواج (صعوداً وهبوطاً، ألماً وأملاً)، مما جذب القارئ وجعله شاهداً على هذه المعركة الوجدانية. وساعد الطباق في بناء عالم القصيدة على ثنائيات واضحة (ظلام/نور، حزن/فرح، سكون/حركة)، مما أعطاها تماسكاً فنياً وقوة في التصوير. وعكس الطباق التعبير عن قوة المحبوبة وتأثيرها فكلما اشتدت قتامة صفات المتحدث، عظمت قوة الصفات الإيجابية للمحبوبة. فالتضاد لم يخدم حالة المتحدث فقط، بل كان أداة لرفع مكانة المحبوبة وتصويرها كمصدر لقوى شبه إلهية (الخلق، الإحياء، الإرشاد). كما ربط الطباق بين أجزاء القصيدة جميعاً، فالنهاية (اعجني طينة خلقي) هي نتيجة حتمية للبداية (أعيريني بصيصا)؛ إذ تحول الطلب من [بصيص] نور صغير إلى طلب إعادة خلق الوجود كله.
لقد استخدم الشاعر بلاغة الطباق بمهارة فائقة ليكون أكثر من مجرد محسن لفظي، بل أصبح أداة تحليل نفسي وكاشفاً بصرياً للحالة الوجدانية. لقد نجح من خلال هذا الأسلوب في تحويل قصيدته من كلمات معبرة عن الحب إلى لوحة فنية مكتملة الأبعاد، ترسم صورة صادقة لصراع الإنسان بين ألمه وأمله، وبين ظلامه الداخلي والنور الذي يبحث عنه في حبيبته.
((طرقت الباب..!!
ومازلت أطرقها..
لا أحد في الدار يفتحها..
يا ترى هل رحلوا..؟
هل تركوا الزاد فوق موائده..
الأواني كما هي ملأى..
والمعالق لم تحركها يد..
كأنهم انفضوا من كراسيهم وانسحبوا..
لا صوت .. لا همس ..
لا صيحات أطفال..
تملأ الدار و تملؤني..
مازال حب الماء ملآنا..
كأنهم ما شربوا منه يوما..
وما غرفوا..
حقائب كتبهم مرمية هنا وهناك..
أقلام التلوين تزين أرض غرفتهم..
وصفحة من كتاب القراءة محترقة..
لم يبق منها سوى جملة..
لا تطرقوا باب الدار..
مسبح الأطفال مرمي في وسط الحديقة..
جف ماؤه فبانت تجاعيده..
كأنه ما مر به ماء يوما..
ولا سح فوقه مطر..
لا تطرق الباب فالكل قد رحلوا..
وهذي يدي مذ ألف تطرق باب الدار..
فما كلت يوما..
ولا أصابها شلل..
جف دمي فذبلت..
و دمع عيني بئر..
سيارته ما يوما عنه وشلوا..!!)) (الغزولة، 2022، 17-18)(7)
في هذه القصيدة، يستخدم الشاعر الطباق ليس فقط على مستوى المفردات، ولكن على مستوى الصور الكلية والحالات النفسية، لخلق عالم من التناقض الصارخ بين ماضي الدار الحيوي وحاضرها المهجور، وبين إصرار الشاعر ويأسه.
إن هذا النص يكشف عن بلاغة الطباق عبر ثنائيات مبثوثة في ثنايا النص، ويمكن تحديدها بما يأتي:
1. طباق الوجود والعدم (الحضور والغياب):
هذا هو المحور الرئيس الذي تدور حوله كل الثنائيات. فالقصيدة قائمة على مفارقة وجود كل علامات الحياة والحضور، لكن في غياب تام لأصحابها.
[طرقت الباب] هذه الجملة تعبر عن (فعل إرادي، إصرار على التواصل)، تقابل جملة [لا أحد في الدار يفتحها]، التي تعبر عن (الصمت، عدم الاستجابة، الغياب).
وتأتي جملة [الأواني كما هي ملأى] (علامة على وجود وشيك، استعداد للوجبة)، لتقابل جملة [والمعالق لم تحركها يد] (علامة على غياب مفاجئ، توقف الحياة).
وجملة [كأنهم انفضوا من كراسيهم] (صورة للحضور السابق)، تقابل جملة [وانسحبوا.. لا صوت .. لا همس ..] (صورة للغياب الحالي).
2. طباق الامتلاء والفراغ (الحياة والموت):
يصور الشاعر المشاهد بأدق تفاصيلها ليثبت أنها مليئة بكل مقومات الحياة، لكنها في حقيقتها فارغة من الروح. [حِبُّ الماء ملآنا..] (امتلاء مادي)، لتقابل جملة [كأنهم ما شربوا منه يوما..] (فراغ وظيفي، انقطاع الاستخدام).
وتأتي جملة [تملأ الدار و تملؤني] (ذكريات الامتلاء بالصيحات والحياة)، لتقابل الواقع الحالي للدار الخالية (فراغ صامت).
وهذا [مسبح الأطفال] (أداة للّعب والحياة)، يقابل [جف ماؤه فبانت تجاعيده..] (صورة للموت والشيخوخة، الفراغ).
3. طباق الحركة والسكون (الديناميكية والجمود):
يصور الشاعر الغياب كتوقف مفاجئ لكل حركة، بينما يستمر فعل واحد فقط هو الطَرْقُ، مما يخلق تناقضًا مؤلمًا. فهذه [صيحات أطفال] تدل على (حركة وصوت وحيوية)، تقابل [لا صوت .. لا همس ..]، التي تدل على (سكون مطلق).
و جملة [سحب فوقه مطر] تدل على (حركة الطبيعة وحيويتها)، يقابلها [جف ماؤه]، التي تدل على (جمود وموت). وجملة [أقلام التلوين تزين أرض غرفتهم] تدل على (أدوات للإبداع والحركة)، في مقابل كونها [مرمية هنا وهناك]، التي تدل على (سقوط، جمود).
4. طباق الإصرار واليأس (الأمل والاستسلام):
هذا الطباق يعبر عن الصراع الداخلي للشاعر بين مواصلة المحاولة والإيمان بالعودة، وبين الإدراك المتزايد بأن الرحيل نهائي. فجملة [مازلت أطرقها..] وجملة [مذ ألف تطرق باب الدار.. فما كلّت يوما] تدل على (إصرار لا يكلّ، أمل عنيد)، في مقابل جملة [لا تطرقوا باب الدار..] وجملة [الكل قد رحلوا..]، لتدلا على (اليأس والحقيقة القاسية). في حين نجد الجمل الآتية [وهذي يدي..]، [ولا أصابها شلل] لتدل على (قوة وإرادة)، في مقابل جملة [جف دمي فذبلت..] التي تدل على (ضعف وانهيار داخلي). فهنا الطباق يبين عن القوة الخارجية (اليد)، وضعف جوهر الحياة داخله (جف الدم).
5. طباق الذاكرة والواقع (الماضي والحاضر):
إن كل مشهد في القصيدة هو مقابلة بين ما تتذكره الذاكرة من صور حية، وما يراه الواقع من صور ميتة. فصورة المسبح الممتلئ بالماء (في الذاكرة)، تقابل صورة المسبح الجاف المتجد (في الواقع).، وصورة العائلة حول الموائد (في الذاكرة)، تقابل صورة الموائد كما هي بلا حراك (في الواقع).
ثالثًا: جماليات وظائف الطباق في القصيدة
يعمل الطباق على تعميق الإحساس بالغموض والقلق الوجودي فالثنائيات الضدية تخلق جوًا من الحيرة واللايقين. فالقارئ، كالشاعر، يتساءل: كيف يغيب الناس فجأة بينما تبقى كل آثار حضورهم؟ هذا يرفع القصيدة من مجرد حزن على فراق إلى تأمل في معنى الغياب والوجود.
فضلا عن خلق صورة درامية مأساوية: يشبه الأسلوب المشاهد في فيلم سينمائي، حيث الكاميرا تمسح ببطء غرفة مليئة بأشياء تروي قصة حدث مفاجئ ومروع. الطباق يجعل هذه الصور أكثر إثارة ودراماتيكية. كما كشف الطباق عن الصراع النفسي للشاعر؛ إذ إن ثنائية [الأمل] / [اليأس] تمثل القلب النابض للقصيدة. كل طرقة على الباب هي أمل، وكل علامة على الغياب هي خطوة نحو اليأس. هذا التناوب هو ما يخلق الإحساس بالتعاطف مع حالة الشاعر المأزومة.
وعزز الطباق بناء الإيقاع الداخلي فالتكرار المستمر لأداة النفي "لا" (لا أحد، لا صوت، لا همس، لا تطرقوا) يقابله تكرار أفعال الإثبات والإصرار (طرقت، أطرق، مازلت). وهذا يخلق إيقاعًا متناغمًا من التوتر والانتظار المحبط. فضلا عن أن الطباق عبّر عن الوصول إلى ذروة مأساوية تكمن الذروة في اكتشاف الشاعر للجملة الوحيدة المتبقية من الكتاب المحترق: "لا تطرقوا باب الدار..". هذه الجملة هي القطبية المضادة المطلقة لفعله المستمر "أطرق"، وهي التي تحول إصراره من فعل أمل إلى فعل عبثي وبطولي في نفس الوقت، مما يضفي على القصيدة عمقًا تراجيديًا.
لقد استخدم الشاعر بلاغة الطباق بمهارة لبناء عالم قصيدته المزدوج، عالم من الثنائيات الضدية التي تصطرع فيها الحياة والموت، الحضور والغياب، الأمل واليأس. لم تكن هذه الثنائيات مجرد زينة لفظية، بل كانت الأداة الأساسية لنسج حالة من الحزن الحائر والقلق الوجودي.
((قبلة فاترة..!!
كم مرة أخبرتك أن وخز الأوجاع يحرقني..
وأنت تقلم أظافر الوقت من يدي..
أرسم خلف الباب ظلا..
يبقى ينطرني..
ينطر يدا من سراب..
باب الذكريات أوصدته الأحزان..
تطبع فوق دفاتري قبلة فاترة..
وتنزوي إلى الليل البهيم..
أتتبع دروبا في فوهة الموت..
يساقط توت الخطيئة..
تنبت في القلب ذنوبك..
ممتدة في أوردتي..
تشرب نخب الوحشة من كبدي..
صوتك الأزلي يداهمني..
ضحكاتك تسخر من بقايا العمر المهشم..
قهقهات الصمت تعلو..
خلف الساعات المشنوقة بحبال الجدران..
يتم العقارب يذبلها..
آبار حرفك جفت..
لا عزيز هناك..
ولا يوسف في القافلة..
كم مرة أخبرتك..
لكنك لم تع كم أن وخز الأوجاع يحرقها..!!
أنشر أوجاعي على حبل غسيلك..
لعلها تجف يوما.. أو تحملها الريح بعيدا..
سكين غدرك قدت القلب من قبل..
ومن دبر قدت حروف القصيدة..
اتركني.. واشرب على ظل أطلالي..
نخب ماضيك..!!)) (الغزولة، 2022، 5-6) (7)
تتسم هذه القصيدة بكثافة المشاعر والألم النفسي، وتبرز فيها بلاغة الطباق كأحد أهم الأساليب البلاغية التي تعمق المعنى وتُظهر حدة التناقضات الداخلية التي تعيشها المتحدثة. والطباق هو الجمع بين المعنى وضده في الكلام لتحقيق قوة التأثير.
يمكن تقسيم الطباق في القصيدة إلى عدة مستويات:
1-الطباق في المشاعر والعواطف:
هذا هو أبرز أنواع الطباق في القصيدة، ويعكس الصراع الداخلي بين الأمل واليأس، الحب والألم، الذكرى والنسيان. فجملة [قبلة فاترة]: التعبير نفسه يحمل طباقًا ضمنياً. فالقبلة رمز للحب واللهفة والحرارة، بينما فاترة تعني البرودة والفتور وعدم الاكتراث. هذا الجمع بين الضدين يخلق صورة قوية للعلاقة المشبوهة التي فقدت معناها. وجملة [وخز الأوجاع يحرقني]: الوخز هو ألم خفيف وحاد، بينما الحرق هو ألم شديد وحارق. يجمع الشاعر بين نوعين من الألم ليعبر عن شدة المعاناة. وجملة [ضحكاتك تسخر من بقايا العمر المهشم]: فالضحكات تعبر عن الفرح والسعادة، ولكنها هنا تسخر من عمر مهشم، مما يخلق تناقضاً مؤلماً بين الفرح الظاهر والحزن والدمار الباطن. وجملة [قهقهات الصمت]: من أجمل صور الطباق في القصيدة. القهقهات هي ذروة الضحك والصوت العالي، بينما الصمت هو انعدام الصوت. هذا التركيب المتناقض يصور الضحك الداخلي المجروح، والألم الصامت الذي يصرخ في الداخل.
2-الطباق في الصور والحركة:
يستخدم الشاعر الطباق لخلق صور فنية ثنائية الأبعاد، تظهر فيها حركة وضدها. [أرسم خلف الباب ظلا.. يبقى ينطرني]، فالرسم فعل إبداعي خلاق، لكنه هنا يرسم ظلاً (شيئاً غير ملموس) ينتظره، مما يعكس العبثية والانتظار غير المجدي. وجملة [تنبت في القلب ذنوبك.. ممتدة في أوردتي]: فالنبت هو نمو الحياة، ولكن ما ينبت هنا هو الذنوب، فالنمو هنا هو نمو للألم والشر، وليس للخير. وجملة [أنشر أوجاعي على حبل غسيلك.. لعلها تجف يوما.. أو تحملها الريح بعيدا]: نشر الغسيل للتنظيف والتجفيف، لكن ما يُنشر هنا هو الأوجاع. إنها صورة لاستعارة محسوس لمحسوس، ولكنها تحمل طبقاناً بين فعل التنظيف (غسل الأوجاع) واستحالة حدوثه، بين الأمل في أن "تجف" ويذهب ألمها، ويأسها من أن الريح قد تحملها بعيداً (أي تبقى معلقة).
3-الطباق في الزمن والمكان:
يبرز التناقض بين الماضي والحاضر، وبين الأماكن الواسعة والمغلقة. فجملة [باب الذكريات أوصدته الأحزان]، تحمل دلالة عميقة، فالباب وسيلة للفتح والعبور، لكنه مُوصَد، مما يعكس حبس الذكريات أو الهروب منها. وهذه جملة [خلف الساعات المشنوقة بحبال الجدران]: الساعات ترمز إلى الزمن المتدفق، ولكنها هنا مشنوقة (معلقة ومتوقفة)، محاصرة بحبال الجدران الثابتة. هذا طبقان بين حركة الزمن وتوقفه القسري. وجملة [لا عزيز هناك.. ولا يوسف في القافلة]: تشير إلى غياب الأمل والحب (العزيز ويوسف) في رحلة الحياة (القافلة). إنه طباق بين التوقع (وجود حبيب) والواقع (الغياب التام).
4-الطباق في اللغة والإيقاع:
حتى في اختيار الكلمات، نجد تناقضات لفظية تعزز المعنى. [سكين غدرك قدت القلب من قبل.. ومن دبر قدت حروف القصيدة]، فهنا طباق لفظي ومعنوي بين (قُبُل) و (دُبُر)، (أي من الأمام ومن الخلف)، مما يعني أن الغدر كان شاملاً ومحكماً، طال القلب ومحاولة التعبير عنه (حروف القصيدة). فبلاغة الطباق في هذه القصيدة لم تكن زخرفة لفظية فحسب، بل كانت أداة تعبيرية حية عن حالة نفسية ممزقة. لقد نجح الشاعر/ة في توظيف التناقضات بين:
(الحرارة والبرودة)، و(الصوت والصمت)، و(الحركة والسكون)، و(الحياة والموت)، و(الأمل واليأس)؛ فجعل هذا التوظيف الألمَ مجسماً وملموساً، فلم يعد مجرد شكوى، بل أصبح صورةً دراميةً كاملةً لصراع إنسانٍ يعاني من علاقةٍ مؤذية، تاركةً فيه جراحاً لا تندمل، وذكريات حبيسة في النفس..
((أسئلة حائرة..!!
كل شيء غائب عني..
سوى هذا المساء الذي يطل علي من نوافذي الحيرى..
أفتش في عيون المارة.. كل المارة..
أنشر سقسقات العصافير وهي تشدو لحن الغروب..
يا ترى أين أنت..؟ أين ساقتك الدروب..؟ في أي متاهة الآن..؟
تتزاحم الأسئلة في رأسي..
آه من وجع الأسئلة التي لا تهتدي إلى إجابات..
فتظل حائرة بين الأرض والسماء..
لم يبق لي منك شيء سوى هذا المساء وهذه النافذة السكرى..!!)) (الغزولة، 2022، 34)
القصيدة نَثْريةٌ تحملُ طابعَ التأمّل والحنين والأسى. يتحدّث الشاعر عن حالة من الغياب والفقدان (لغائبٍ عزيزٍ على الأرجح)، ويُصوّر مشاعر الحيرة والوحشة والانتظار عبر مشاهدَ حسيةٍ ملموسة مثل المساء، والنافذة، والعصافير، وعيون المارة. وتزخر القصيدة باستخدامات متعددة للطّباق، التي كانت وسيلةً فنيّةً فعّالةً للتعبير عن صراع النفس وحيرتها:
1-طِباق بين الحضور والغياب:
تطالعنا في القصيدة جملة [كُلُّ شَيْءٍ غَائِبٌ عَنِّي.. سوَى هَذَا المَسَاءَ]؛ إذ يقابل الشاعر بين كلمتي (غائب) و (سوى). فلفظة (سوى) تفيد الاستثناء والحضور. وهذا الطّباق يبرز مدى العزلة والفراغ الذي يعيشه المتحدث، فكل شيء مفقود إلا هذا المساء الوحيد، الذي يصبح شاهدًا على ألمه.
2-طِباق بين الحركة والسكون:
في هذه الجملة [أَنْشُرُ سَقْسَقَاتِ العَصَافِيرِ... وَهِيَ تَشْدُو لَحْنَ الغُرُوب] يقابل الشاعر بين فعلين: الأول: (أنشر)، (وهو فعل إرادي، هادئ، يتطلب سكونًا وتأملاً)، والثاني: (تشدو)، (وهو فعل حيوي، نشيط، ينبعث من حركة العصافير وصوتها). فهذا التقابل يخلق صورة جميلة للشاعر الساكن في مكانه، يحاول تحويل حركة وصوت العالم الخارجي (زقزقة العصافير) إلى شيء يمكن بثّه أو نشره كرسالة، مما يعكس سعيه المحبط للتواصل.
3-طِباق بين السؤال والجواب (أو انعدامه):
ففي هذه الجملة [آه مِن وَجَعِ الأَسْئِلَةِ الَّتِي لَا تَهْتَدِي إِلَى إجَابَات] يبرز طِباق في النص بقوة. فهو يقابل بين (أسئلة) و (إجابات). لكن جماليته تكمن في أنه طِباق مُعطَّل أو منقوص، فالسؤال موجود ومؤلم، بينما الإجابة غائبة تمامًا. هذا التعطيل للطّباق هو انعكاس دقيق لحيرة الشاعر ويأسه، فالصراع الطبيعي هو بين سؤال وجواب، لكن هنا الصراع موجود في السؤال الذي لا يجد من يجيبه.
4-طِباق بين الاتساع والضيق (الحيرة المكانية):
[فَتَظَلُّ حَائِرَةً بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاء]، يقابل الشاعر في هذه الجملة بين (الأرض) و (السماء)، وهما قطبا العالم المتقابلان. تصف هذه الجملة الأسئلة الحائرة التي لا تجد مكانًا تستقر فيه، فتتذبذب بين أقصى نقطة في الأسفل (الأرض) وأقصى نقطة في الأعلى (السماء). هذا الطّباق يُعطي إحساسًا بالضياع واللاتحديد واتساع عالم الحيرة إلى مداه الأقصى.
5-طِباق بين الوضوح والضبابية (أو الإدراك وعدمهِ):
[هَذِهِ النَّافِذَةُ السُّكْرَى] في هذه الجملة نجد طِباقًا ضمنيًا رائعًا. فصفة (السكرى)، (وهي ضد الصاحية والوضوح)، تُقابل المعنى الأساس للنافذة، الذي هو (الإطلالة والرؤية). النافذة في الأصل أداة للرؤية والاتصال بالعالم الخارجي، ولكنها هنا (سكرى)، أي غائمة، مشوّشة، غير قادرة على الرؤية بوضوح. هذا يعبّر عن حالة المتحدث الذهنية والنفسية المشوّشة، التي تجعله يرى العالم من حوله ضبابيًا وحزينًا. ولم يكن استخدام الطّباق في هذه القصيدة مجرد زينة لفظية، بل كان أداة بلاغية عميقة كشفت عن الصراع الداخلي للشاعر. وهكذا يكون الشاعر قد نجح في استخدام تقنية الطّباق ليس فقط لإضفاء الجمال على اللغة، بل لخلق عالمٍ شعريٍّ متماسك يعكس حالةَ الحيرةِ والوجعِ والانتظار التي أراد نقلها.
((قلب هش..!!
حاولت أن أبدأ منك..
لكن أشياء كثيرة منعتني..
أشياء لا تشترى..
حاولت مرارا وتكرارا أن أبدأ ثانية..
لكنني وجدتني أنتهي كلما ابتدأت..
من أين أبدأ..؟
من عينيك .. ومن البريق القاتل فيهما..
من شفتيك .. ومن طعم الكرز يملؤهما..
من أناملك .. وهي تنسج من رقة الحرف معاني الخلود..
من أين أبدأ..؟ وكلما ابتدأت بك انتهيت..
أخبئ القلب بين أكوام السنين..
أخبئ الروح ومواجعي في الحنين..
كم مرة قلت لك : تعال نختبئ وراء الاعمار..
نتلاشى .. نحترق .. نصير ظلين هاربين..
كم مرة قلت لك : امض إلى حيث الريح الآسرة تحملنا إلى جبل النار..
قلبي يتكئ على نارك المفقودة..
من سرق النار من حرائق كفينا..؟
من أحرق ذاكرة أيامنا..؟
رماد أحلامنا عنقاء تأبى نفض أجنحتها..
كل الأشياء تباع وتشترى..
إلا أنت وأنا و رؤى تموج بنا..
هي أشياء لا تشترى..!!)) (الغزولة، 2022، ص21-22)(7)
أبرز ثنائيات الطباق في القصيدة:
1. يبدأ / ينتهي (يبتدئ / ينتهي)
· النص: "لكني وجدتني أنتهي كلما ابتدأت"، "وكلما ابتدأت بك انتهيت".
· القيمة الجمالية: يكرر الشاعر هذا الطباق ليعبر عن حالة من العجز واليأس. فعل البدء يعبر عن الأمل ومحاولة البناء، بينما فعل الانتهاء يعبر عن الفشل والانهيار. هذا التضاد يخلق إحساسًا دائريًا بالحبس داخل دائرة مفرغة، مما يعمق إحساس القارئ بإحباط المتحدث واستحالة استعادة الماضي.
2. يختبئ / يُحرق (يحتـرق)
· النص: "تعال نختبئ وراء الاعمار.. نتلاشى .. نحترق".
· القيمة الجمالية: يجمع هذا الطباق بين فعلين متعارضين؛ الاختباء للهرب والاحتماء، والاحتراق للانكشاف والمعاناة والتلاشي. هذا المزيج المتناقض يصور رغبة جامحة في الهروب مع إدراك أن الهروب نفسه سيكون مصيره التلاشي والألم، مما يعكس حالة من الحب العاصف الذي لا مفر منه ولا خلاص منه سوى بتدمير الذات.
3. نار / رماد
· النص: "قلبي يتكئ على نارك المفقودة.."، "رماد أحلامنا عنقاء تأبى نفض أجنحتها".
· القيمة الجمالية: النار رمز للحياة، الشغف، الحرارة، والعطاء. بينما الرماد هو نتيجة الاحتراق، رمز الموت، البرودة، والانتهاء. وجود "النار المفقودة" مقابل "رماد الأحلام" يخلق طباقًا زمنيًا مؤثرًا بين ماضي متقد بالشغف وحاضر بارد خاوٍ. جعل الرماد (وهو النهاية) يحمل صفة العنقاء (الأسطورة التي تولد من رمادها) يضفي طباقًا داخليًا على الصورة نفسها بين الفناء والخلود.
4. يُباع / لا يُشترى
· النص: "كل الأشياء تباع وتشترى.. إلا أنت وأنا و رؤى تموج بنا.. هي أشياء لا تشترى..!!"
· القيمة الجمالية: هذا هو أبرز طباق في القصيدة وهو الذي يضع الفكرة المركزية. إنه تضاد بين قيمتين: قيمة مادية (كل الأشياء) يمكن تقييمها وامتلاكها، وقيمة روحية/عاطفية (أنت، أنا، الرؤى) ثمينة وغير قابلة للقياس أو الشراء. هذا الطباق يرفع من شأن العلاقة ويجعلها فريدة واستثنائية، ولكنه في نفس الوقت يزيد من مأساتها، لأن ما لا يُشترى لا يمكن تعويضه أو استعادته إذا فُقد.
5. يُنسج / يتلاشى
· النص: "تنسج من رقة الحرف معاني الخلود"، "نتلاشى .. نحترق".
· القيمة الجمالية: تضاد بين الخلق والبناء (النسيج، الخلود) والفناء والاختفاء (التلاشي). يصوّر هذا قوة الذكرى والحب في خلق عالم دائم، مقابل ضعف الكيان البشري وعرضيته أمام الزمن والانفعالات.
6. القلب الهش / جبل النار
· النص: "قلب هش..!!"، "إلى جبل النار".
· القيمة الجمالية: تضاد بين الضعف والهشاشة (القلب) والقوة والعنفوان (جبل النار). هذا يعكس ثنائية المتحدث نفسه: من ناحية هو ضعيف وهش جراء الخسارة، ومن ناحية أخرى لا يزال يحمل في داخله رغبة عارمة وشجاعة للانطلاق نحو مصير ملحمي وحتى لو كان مصيره الاحتراق. إنه صراع بين اليأس والأمل، بين الخوف والشجاعة.
الخلاصة: القيمة الجمالية الشاملة للطباق
لم يكن استخدام الطباق في هذه القومة تزيينًا لفظيًا، بل كان أداة جوهرية لبناء عالمها الشعري والمعنوي. الثنائيات المتضادة (البدء/الانتهاء، النار/الرماد، الاختباء/الاحتراق) نجحت في:
1. تجسيد الصراع الداخلي: نقلت حالة التمزق والاضطراب التي يعيشها المتحدث بين رغبته في البدء من جديد وإحساسه الدائم بالفشل، بين ذكريات النار الشغوفة وواقع الرماد البارد.
2. تعميق الإحساس بالمأساة: جعلت فكرة الخسارة أكثر إيلامًا؛ فأن تخسر شيئًا كان ناريًا وحارًا ليصبح رمادًا، أو أن تفشل في بدء شيء كان يجب أن يكون أبديًا، هو تضاد يضاعف الألم.
3. خلق ديناميكية وحركة: الصراع بين هذه الأضداد يمنح القصيدة طاقة حركية وتوترًا عاطفيًا مستمرًا، يشد القارئ ويجعله يشارك المتحدث في صراعه.
4. رفع قيمة العلاقة: من خلالها (تضادها) مع كل شيء عادي ومادي ("كل الأشياء تباع وتشترى"), أصبحت العلاقة والإنسان والرؤى ذات قيمة مطلقة، أسطورية، وغير قابلة للاستبدال، مما يبرر كل هذا الألم والحنين. ومن ثمة، فإن بلاغة الطباق كانت بمثابة الناظم البنيوي للقصيدة، حيث حولت التجربة العاطفية الشخصية إلى صراع كوني بين قوى متضادة: البناء والهدم، الحياة والموت، النار والرماد، المادي والمعنوي. وهذا هو سر قوتها وجمالها.
((يأتي ولا يأتي..!!
ظل هذا الهاجس المر الحلو يداهمني بين الفينة والفينة..
لم أعد أعرف عدد المرات التي وقفت فيها أمام النافذة أرقب عودتك من البلاد البعيدة..
أنطر بزوق شمس عينيك لأركض إليها بكل شغف وأقبلها..
ليتك تأتي.. ليتك تمر بي طيفا أمسك بتلابيبه لأضمه إلى قلبي..
أتعبني همس النوافذ وهي تؤنبني على طول غيابك..
إقطعْ كل مسافات الزمن البعيدة وامتطِ صهوة الريح لتسّاقط مطرا يداعب حزن نافذتي..!!))
(الغزولة، 2022، 55) (7)
يتناول النص حالة نفسية يعيشها المتكلم، تتمحور حول الانتظار والشوق لشخص غائب. إنها حالة من التوق الممزوج بالألم والأمل، حيث يسيطر هاجس العودة المتوقعة والتي لا تتحقق. النص غني بالصور الشعرية التي تعبر عن العمق النفسي للمتكلم، مثل الوقوف عند النافذة، همس النوافذ، والطيف. ويظهر الطباق في هذه القصيدة بشكل مكثف ومحكم، وهو العمود الفقري للمعنى النفسي الذي تريد إيصاله. يمكن تقسيمه إلى:
1-الطباق على مستوى العبارة (اللفظي المباشر):
[يأتي ولا يأتي..!!] الطباق بين: (يأتي ↔ لا يأتي)، فهذا هو لب القصيدة وقلبها النابض. إنه يختزل الصراع كله في عبارة واحدة. إنه يعبر عن الهاجس الذي يجمع بين الأمل (في العودة) واليأس (من تحققها). هذا التناقض هو مصدر "العذاب الحلو" الذي يعيشه المتكلم.
[الهاجس المُرّ الحلو]، الطباق بين لفظتي: (مُرّ ↔ حلو)؛ إذ يصف هذا الطباق طبيعة المشاعر المتضاربة. الشوق والحب "حلو"، لكن الألم الناتج عن الغياب وعدم التحقق "مُر". الجمع بينهما في صفة واحدة ("هاجس") يخلق صورة دقيقة ومعقدة للمشاعر الإنسانية التي لا يمكن وصفها بلفظة واحدة.
جملة [امتطِ صهوة الريح لتسّاقط مطرا] الطباق فيها بين: (صهوة الريح [قوة، سرعة، علو] ↔ تساقط مطرا [نداوة, لطف, حنان])، فهنا يوظف الشاعر الطباق لخلق صورة شعرية مدهشة. فهو لا يطلب مجرد القدوم، بل يطلب قدوماً قوياً سريعاً كالريح، لكنه في نفس الوقت يريد هذا القدوم أن يكون لطيفاً وحنوناً يداعب حزنه كالمطر. إنه يجمع بين قوة الفارس ورقة المشاعر.
2-الطباق على مستوى المعنى والسياق (المعنوي):
فالوقوف ساكناً (الانتظار) مقابل الركض بشغف (الاستقبال)، فيكون الطباق بين (الجمود ↔ الحركة)، فالقيمة البلاغية للطباق تتضح في قوله: [أقف أمام النافذة] (ساكن، متحين)، التي تقابل جملة [أركض إليها بكل شغف] (متحرك، متحمس). وهذا التناقض يبرز شدة الشوق؛ فالسكون الطويل يتحول فوراً إلى حركة جنونية بمجرد ظهور أثر العودة.
وكذلك الواقع (الغياب)، مقابل الخيال (الطيف)، فيحصل الطباق بين: (الواقع ↔ الخيال).
فجملة [طول غيابك] (واقع مؤلم) تقابل جملة [ليتك تمر بي طيفا] (خيال ملاذ من الألم). فيظهر هذا الطباق مدى يأس المتكلم من القدوم الحقيقي، حتى أنه يرضى بالطيف الخيالي كبديل، مما يعمق الحزن والافتقاد.
وكذلك نجد الطباق في النداء (الطلب)، الذي يقابل التأنيب (التوبيخ)، والطباق بين: (الرغبة ↔ اللوم). فالقصيدة كلها نداء واستعطاف (اقطع كل مسافات، ليتك تأتي). لكن هذا النداء يقابله تأنيب داخلي من خلال (همس النوافذ وهي تؤنبني). هذا يعكس الصراع بين حبه للشخص الذي ينتظره وبين إحساسه بأن هذا الانتظار طويل ومُذل.
إن الطباق في هذه القصيدة لم يكن مجرد زينة لفظية، بل كان أداة فنية عميقة كشف عن أعماق التجربة الإنسانية للمتكلم. لقد نجح الشاعر من خلاله في نقل حالة التناقض والصراع الداخلي التي يعيشها الشخص الواجم. جمال الطباق هنا يكمن في كونه محركاً للمعنى؛ إذ فهو يحمل فكرة القصيدة الأساسية (صراع الأمل واليأس)، ومُعبراً عن النفس فهو يعكس تعقيد المشاعر الإنسانية التي لا تكون أبداً ذات لون واحد، ومُكوناً للصور؛ إذ ساعد في بناء صور شعرية قوية ومؤثرة (كصورة الفارس المطر). وبهذا، يصبح الطباق روح القصيدة ونبضها، الذي من دونه تفقد كثيراً من عمقها النفسي وجمالها الفني.
الخاتمة:
ختاماً، يمكن القول إن هذه الدراسة قد توصلت إلى أن الطباق في مجموعة "خطايا الذاكرة" للشاعر سالم الغزولة، لم يكن مجرد وسيلة زخرفية، بل كان استراتيجية نصية أساسية في بناء عالمها الشعري. لقد كان الأداة البلاغية الأمثل للتعبير عن حالة الانزياح والانقسام التي تعيشها الذات الشاعرة بين أضداد: الحب والفقد، الوطن والمنفى، الماضي والحاضر. وقد نجح الغزولة، من خلال توظيفه العميق والمبدع للطباق، في تحويل شظايا الذاكرة وخطاياها إلى فنٍّ شعريٍّ رفيع، يخلد مأساة إنسان ووطن، ويكشف عن جمالية الألم وعذوبة الألم. وكشف البحث عن أن رؤية الشاعر للعالم قائمة على رؤية جدلية، ترى الأشياء مع أضدادها. فالذاكرة خطيئة وبراءة، والحب ألم وشفاء، والوطن جنة وجحيم.
References
1.Ibn Manzur, Muhammad ibn Mukarram al-Ansari al-Ifriqi (d. 711 AH). (n.d.). Lisan al-Arab. Dar Ihya’ al-Turath al-Arabi.
2. Al-Azhari, Abu Mansur Muhammad ibn Ahmad (d. 370 AH). (n.d.). Tahdhib al-Lughah. Edited by Abd al-Salam Muhammad Harun; revised by Muhammad Ali al-Najjar. Egyptian House for Authorship and Translation, Egypt.
3.Al-Askari, Abu Hilal al-Hasan ibn Abdullah. (1952). Kitab al-Sina‘atayn: al-Kitabah wa al-Shi‘r (The Two Arts: Prose Writing and Poetry).
4. Matloub, Ahmad. (2006). A Dictionary of Rhetorical Terms and Their Development. Arab House of Encyclopedias, Beirut, Lebanon.
5.Ibn Rashiq al-Qayrawani, Abu Ali al-Hasan (d. 456 AH). (2011). Al-‘Umda fi Mahasin al-Shi‘r wa Adabihi wa Naqdih.
6.Al-Sakkaki, Abu Ya‘qub Yusuf ibn Muhammad ibn Ali (d. 626 AH). (2011). Miftah al-‘Ulum. Edited by Dr. Abdul Hamid Hindawi. Dar al-Kutub al-Ilmiyyah, Beirut, Lebanon.
7.Al-Ghazoula, Salim. (2022). The Sins of Memory. Dar Noon for Printing and Publishing, Mosul, Iraq, 1st ed.
| عدد المشاهدات للمقالة | 467 |
| تنزیل PDF | 114 |