تصدر عن جامعة النور

The city in the poetry of Ibn Abi Hasina (457) AH

نوع المستند : Original Article

المؤلف

جامعة الموصل، موصل، العراق

المستخلص
The city is the being with which a person shares his existence. Rather, it is the place in which he plants the seeds of his memories so that they grow and blossom in the shadows and walls of those cities in which he leaves his memories. Whenever he passes by a city in which he leaves a memory that remains glowing in his heart, he is drawn by nostalgia and longing for it, and the city is that place that It achieves stability for a person and builds his life and the lives of his descendants after him, so that his fame is named after the city in which he was born, grew up, and lived.
Hence, the presence of the city in the poetry of Ibn Abi Husaynah (d. 357 AH) was a prominent phenomenon that attracted attention, in addition to the appearance of the names of many cities in his poetry, which prompted me to delve into the study of this phenomenon in the poetry of Ibn Abi Husaynah, who is the poet Prince Abu al-Fath ibn Al-Hasan bin Abi Hasina lived in the second Abbasid era, and his poetry was explained by the great poet Abu Al-Ala Al-Maarri (d. 449 AH)...



الكلمات الرئيسية

Crossmark
الموضوعات الرئيسية

 

 

 

مجلة النور للدراسات الإنسانية

https://jnh.alnoor.edu.iq/

 

 

 

 

 

 

المكان في شعر ابن أبي حُصينة ( ت 457هـ ) المدينة أنموذجاً

 

 

 

 

This Photo by Unknown Author is licensed under CC BY-SA

This Photo by Unknown Author is licensed under CC BY-SA

 جيهان خالد محمد عبدالله 1             أ. د منتصر عبد القادر الغضنفري1

 

 

 

1جامعة الموصل، العراق                                        

 

 

 

 

Article Information

 

المستخلص

 

Article history:

Received: 10 December 2024

Revised: 11 January 2025

Accepted:21 January 2025

 

        تعدّ المدينة الكائن الذي يُشاطر الإنسان وجوده، وإنها المكان الذي يغرس فيه بذور ذكرياته لتنمو وتزهر في ظلال وجدران تلك المدن التي يترك فيها ذكرياته، فهو كلما مرّ بمدينة ترك فيها ذكرى ظلّت متوهجة في قلبه، شدّه الحنين والشوق إليها، والمدينة هي ذلك المكان الذي يحقق للإنسان استقراره ويبني فيها حياته وحياة من يأتي بعده من ذريته، حتى تتسمّى شهرتُه باسم المدينة التي ولد وترعرع وعاش فيها, ومن هنا شكّل حضور المدينة في شعر ابن أبي حصينة (ت: 457هـ ) ظاهرة بارزة تلفت الأنظار، فضلا عن ورود أسماء مدن كثيرة في شعره، الأمر الذي دفعني إلى الخوض في غمار دراسة هذه الظاهرة في شعر ابن أبي حصينة، وهو الشاعر الأمير أبو الفتح ابن الحسن بن أبي حصينة الذي عاش في العصر العباسي الثاني، وشرح ديوانه الشاعر الكبير أبو العلاء المعري (ت: 449ه ).

الكلمات المفتاحية: المدينة، ابن أبي حصينة ، شعر، العصر العباسي

 

Keywords:

Simile,

Simile To,

Deleted Simile,

Point Of Similarity.

 

Corresponding Author

Jihan Khaled Muhammad Abdullah

[email protected]

 

 

 

 

DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v4.i1.a10, ©Authors, 2026, College of Education, Alnoor University.

This is an open-access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/).

 

               

 

The city in the poetry of Ibn Abi Hasina (457) AH

This Photo by Unknown Author is licensed under CC BY-SA

 J. K. M. Abdullah               M. A Q. Al-Ghazanfari 

Abstract

The city is the being with which a person shares his existence. Rather, it is the place in which he plants the seeds of his memories so that they grow and blossom in the shadows and walls of those cities in which he leaves his memories. Whenever he passes by a city in which he leaves a memory that remains glowing in his heart, he is drawn by nostalgia and longing for it, and the city is that place that It achieves stability for a person and builds his life and the lives of his descendants after him, so that his fame is named after the city in which he was born, grew up, and lived.

Hence, the presence of the city in the poetry of Ibn Abi Husaynah (d. 357 AH) was a prominent phenomenon that attracted attention, in addition to the appearance of the names of many cities in his poetry, which prompted me to delve into the study of this phenomenon in the poetry of Ibn Abi Husaynah, who is the poet Prince Abu al-Fath ibn Al-Hasan bin Abi Hasina lived in the second Abbasid era, and his poetry was explained by the great poet Abu Al-Ala Al-Maarri (d. 449 AH)...

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة البحث

يعدّ المكان عنصرًا ذا قيمة كبيرة في النص الأدبي، شعرًا كان أم نثرًا، كونه يمثّل استرجاع ذكريات الإنسان، فضلًا عن أنه يشكّل – بكل معطياته وأبعاده – أحد أهم مكوّنات شخصية الإنسان، فالعلاقة بينهما علاقة جدلية قائمة على أساس التأثير والتأثر، ولهذا أولى الباحثون والنقاد اهتمامهم وعنايتهم بالمكان منذ أوّل نص أدبي وُظِّفَ فيه المكان، بل أقول عاش فيه المكان وعاش النص في المكان،  وأمّا على مستوى الشعر العربي فإننا نقول متيقنين أنْ لا توجد قصيدة تخلو من المكان، أو من الإشارة إلى مكان ما فيها، ذلك أن القصيدة وليدة ذاكرة، وهذه الذاكرة لا يمكن أن تتضح أُطُرُها وسياقاتُها إلا عبر المكان، فالمكان يشكّل الوعاء الذي يحتوي الإنسان بمختلف تفصيلات حياته, وقد تنوعت الأماكن الصناعية في شعر ابن أبي حصينة بين المدن والبلدان والديار والاطلال، والقصور والآبار وغيرها، وقد كان للمدينة حضور كبير في شعر ابن أبي حصينة، ويظهر هذا من كثرة تنقله بين المدن والبلدان المختلفة.

المدينة في شعر ابن أبي حصينة:

 كان لمدينة (حلب) الحضور الأبرز في شعر ابن أبي حصينة؛ كونها مدينة العطاء المتمثل بالممدوح، وهو الأمير أبو العلوان ثمال بن أسد الدولة الذي كان مديح ابن أبي حصينة يقتصر عليه, إن المدينة بوصفها المكان الذي يمثل السلطة والنظام، هي التي تعكس حبها في نفس الشاعر من خلال رأس السلطة فيها, فإنه بتعامله مع الرعية إمّا أن يجعلها مدينة فاضلة في أعينهم، وإمّا مدينة غير مرغوب فيها، وهكذا كانت مدينة (حلب) هي المدينة الفاضلة في نظر الشاعر ابن أبي حصينة، وكانت الملجأ الآمن له، ولكل مَنْ ينشد الأمير أبا العلوان ثمال, وقال الشاعر ابن أبي حصينة في حلب([1]):

وَتجمَّلَتْ حَلَبٌ وأَصْبَحَ أهْلُها
وتهدلَتْتِلكَ الغُصونُ وأَشْرَقَتْ

 

في مِثلِ باكِرةِ الَّربيعِ المُرهَمِ
بأَغَرَّ مِثلِ البَدْرِ غَيْرَ مُذَمَّمِ

        إن المكان وهو هنا مدينة (حلب) قد كسب أميراً يعيد له مكانته وقيمته العليا، فتجملت به -أي حلب- حتى صارت حياة أهلها مثل الربيع الممطور بالرهام وغدا أهلها مُتعجبين فرحين بفضل هذا الأمير, كما حملت غصون الأشجار من الأزهار والثمار ما جعلها تتهدل (تهدلت)، وهذه كناية عن وفرة عطائه وسعة كرمه, وقد أشرقت سماء (حلب) واستنار أهلها بهذا الأمير الذي غدا مثل البدر إشراقاً وضياءً؛ لأنّه أزاح الظلمة عنهم بكرمه وحسن صفاته.

إنْ حبّ الشاعر ابن أبي حصينة لممدوحه دفعه إلى حب المكان والتعلق به، بل إن هذا الحب قد زاده انتماء إلى مدينة (حلب) والتعلق بها, إذ إن "الانسان أي الأديب/الشاعر يشعر بالإنتماء إلى المكان الذي بدوره يُظهر انعكاسه على نتاجه الأدبي، وللمدينة عند الشعراء صور متعددة يستعيدون من خلالها ذكرياتهم فيها، فيغدو المكان أليفاً لديهم"([2]), فغدتْ (حلب) عند الشاعر ابن أبي حصينة المكان الأليف المحبب إلى قلبه ونفسه, وقال كذلك في حلب([3]):

يا طالب الجُودِ شَمِّرْ إنّ في حَلَب ٍعَذْبَالمشاربِ مَازالتْ مواردُهُ

 

بَحْراً مِنَ الجُودِ طَامِي الموجِ والزّبدِ تُغشَى ومهما تزدْ وُرّادُها تَزِدِ

  تتضح قيمة المكان في هذا النص عبر أسلوب النداء، الذي يستخدمه الشاعر لمخاطبة طالب الجود، فيطلب منه أن يُشمّر عن ساعديه، ويُعد العدة للسفر إلى مدينة (حلب)، لأن فيها بحراً من الجود، وهذه كناية عن الممدوح. وإن هذا الممدوح/البحر طامي الموج والزبد, أي أن عطاءه كثير ووفير, وهو عذبُ المشارب صافٍ نقي لا كدرة فيه، كلما شربت من جوده ونهلت من عطائه لم ينتقص منه شيء، بل انّه يزيد ويكثر, فإن هذا الممدوح لا يمنّ على سائل بما يعطيه، وهذه دعوة من الشاعر لكل باحثٍ عن النعمة إلى أن يذهب إلى هذا المكان (حلب) الذي سيشعر فيه بالأمان والراحة, وهكذا فإن "المدينة هي مسكن الانسان الطبيعي، وهي المكان الإنساني الأفضل المبني لسعادته، شأنها في ذلك شأن كل تجمع بشري كالقرية أو البادية في أول الأمر, وقد كان تكوّنها تلقائياً بطيئاً في المراحل الأولى، ثم تقنيا حثيثا في مراحل متأخرة أوجدها الناس لتكون في خدمتهم وعلى مستواهم، أوجدوها لتناسب أذواقهم ومشاربهم، ولتساعدهم على العيش وتطمئنهم وتحميهم من العالم المناوئ ومن أنفسهم"([4]), فالمدينة تعد البيت الكبير للإنسان، الذي يجد فيه راحته وأمانه، ولاسيما إذا كان القائم على المدينة عادلاً كريماً مثل أمير حلب أبي العوان ثمال, وقال الشاعر ابن ابي حصينة في حلب أيضاً([5]):

وفي القِبَابِ التي قَدْ أُبْرِزَتْمَلِكٌ

 

يَمينُهُ رَحْمَةٌ صُبّتْ على حَلَبِ

   وهنا كذلك يتضح أن قيمة المكان من قيمة ساكنه, فالمدينة وهي (حلب)، قد برزت فيها القباب، وهذه كناية عن كثرة أماكن ودور العبادة فيها، ممّا يدل على قوة الالتزام الديني الذي يتمتع به أهل حلب، وهذا بسبب أن هناك ملكاً كريماً معطاءً جاءت عطاياه رحمةً صُبَّتْ على مدينة (حلب)، ومن هذه الرحمة كثرة دور العبادة، ثم إن الإحساس بالمكان إيجاباً يدفع الشاعر إلى تسخير إمكاناته الفنية كلها من أجل إيصال هذا الإحساس إلى المتلقي, وقال الشاعر ابن أبي حصينة في حلب كذلك، وقد أشار في هذه الأثناء إلى مكان آخر وهو الحجاز([6]):

وحجَّتْ إليك وُفود البلادِ
فَقَوْم لهم كعبة في الحجازِ
فهذي تحجُّ لِغفرِ الّذنُوبِ

 

مَنْ كل فجٍ سحيقِ الحَدَبْ
وقَوْمٌ لَهُمْ كَعبة في حَلَبِ
وهَذِي تحُجُّ لِبَذْلِ الرَّغَبْ

   تظهر قيمة المكان وأهميته في هذا النص عبر الفعل المضعف (حجّتْ), فإن لفظة (حجَّ) تدل على القصد، قيل الزيارة, ولو أخذنا الفعل من خلال ارتباطه بشريعة الحج، فإننا نجد أن الشاعر قد أعطى مدينة (حلب) قدسية دينية كبيرة, فالوفود تحج إلى الممدوح (أمير حلب) من كل البلاد مهما بعدت, ثم إن أهمية المكان (حلب) مرتبطة بأهمية أميرها، تلك الأهمية التي دفعت الناس إلى تحمل كل أنواع الصعاب من أجل الوصول إليه, وتظهر منزلة المكان (حلب) وأهميته عبر موازنة أجراها الشاعر بين (حلب) و(الحجاز)، فكما أن هناك قوماً يحجون إلى قبلة المسلمين الكعبة بيت الله الحرام في الحجاز ليكسبوا مغفرة الذنوب، فكذلك هناك قوم لهم كعبة في حلب يحجون إليها للحصول على عطايا الممدوح (الرَغَب)، وهكذا نجد ان (حلب) قد نالت لدى الشاعر صفة رفعة الشأن عبر الموازنة بينها وبين الحجاز، وهذا بكرم أميرها وتلك بقدسية بيت الله الحرام فيها.

وقد وصف الشاعر ابن أبي حصينة مدينة حلب بأوصاف أخرى، عبّرت عن منزلتها ومكانتها في نفسه، ومن تلك الأوصاف (القلعة البيضاء)؛ لأنّ مدينة حلب تتميز بوجود القلعة الرومانية، وهي تقع فوق تلّة عالية، والشاعر ابن أبي حصينة يذكر قلعة حلب البيضاء هذه، فضلاً عن الإشارة إلى استعادة قلعة عزاز سنة (433هـ) من قبل الأمير أبي العلوان ثمال، وذلك في قصيدة قال فيها([7]):

مَلَكْتَ عَزَازاً فابتدى العِزُّو وانجَلَتْ
ترى القلعة البَيْضاء وَلْهى لفقدِها
هما جانِبا ثَغْرٍ إذا مَالَ مِنْهُما
غَصَبْتَ الأعادي ما اغتصبْتَ وإنما

 

بِها غُمَّة الإسلامِ وانكشَفَ الكَرْبُ
كما وَلِهَتْ وَرْقاءُ ضَلَّ لها سَقْبُ
إلى السلمِ جَنْبٌ مَالَ من بَعْدهِ جَنْبُ
بمثلِ أبي العُلوانِ يُرْتَجَعُ الغَصْبُ

      رسم الشاعر ابن أبي حصينة في هذه الأبيات صورة الأمير البطل الذي مَلكَ قلعة (عزاز)، وفي هذا المَلْكُ ابتدأ زمن العز وانجلت غمة الإسلام وانكشف الكرب، فهذا الأمير استطاع أن يسترجع ثغراً من ثغور الإسلام، وهو قلعة (عزاز) التي توازي في حضورها قلعة (حلب) التي عُرفَتْ بـ (القلعة البيضاء)، وقد اعتمد الشاعر ابن أبي حصينة التشبيه في حديثه عن المكان (حلب), إذ إنّ القلعة البيضاء هي جزء من حلب، وهي شديدة الحزن على قلعة (عزاز) التي وقعت بأيدي الأعداء مشبهاً حزن حلب على عزاز بحزن الناقة على فقد ولدها الصغير حديث الولادة, وإذا ما كان الضمير في (فقدها) يرجع إلى قلعة عزاز، فإن الضمير (هما) في البيت الثاني يرجع إلى قلعتي حلب وعزاز، اللتين تعدان جانبي ثغرٍ من ثغور المسلمين، فإذا ما مال أي منهما إلى السلم والراحة مال من بعده الجانب الآخر, فهما قلعتان متعالقتان تعالقاً شديداً برباط الإسلام، ورباط الأمير الشجاع أبي العلوان الذي استطاع فكّ أسر قلعة عزاز من براثن الروم، ودليل ذلك في البيت الرابع في قوله: (بمثلِ أبي العلوان يُرتجعُ الغصبُ)، فهذا الأمير الشجاع هو الذي يستطيع إعادة الحقوق المغتصبة إلى أهلها، وهكذا فقد أعاد عزاز إلى الاسلام, إن مدينة (حلب) عند الشاعر ابن أبي حصينة هي الدنيا، إذ قال فيها ايضاً([8]):

حَلَبُ هي الدنيا تُحَبُّ وطَعا
قد رَامَها صِيدُ الملوكِ وعاودوا

 

طَعْمانِ حُلْوٌ في المَذاقِ وعَلقَمُ
عنها وما غَنُموا ولكن غُنِّمُوا

يوضح الشاعر علاقته بالمكان من خلال عنصر الألفة بينه وبين المكان الذي أصبح هاجسه، وهذا المكان هو مدينة (حلب)، التي تمثل له المكان/الحلم، بل إنّها عنده المدينة الفاضلة، وقد استخدم الشاعر في هذا النص أسلوب التشخيص([9]), إذ جعل من حلب كائناً يُحَبُّ له طعم، وطعمها طعمان: أحدهما حُلو وهذه كناية عن جمالها وعن كرم وطيبة أميرها, فهي المدينة الفاضلة، المكان/الحلم، الذي لا يريد أن يغادره، والطعم الثاني مُرّ بدلالة قرينة لفظية هي (عَلقُم), فهي مُرّة في فمِ الأعداء عصيةً عليهم؛ فكلما رام الملوك السيطرة عليها باءت محاولاتهم بالفشل فيصبحون هم الغنيمة بيد من يحمونها، وعلى رأسهم الأمير، ونلحظ أن الشاعر يستخدم صيغة التضعيف في الفعل (غُنِّموا) للإشارة منه إلى قوة هذه المدينة ومَنَعَتِها.

ومن الأماكن التي كان لها حضور كبير في شعر ابن أبي حصينة هي (الشام), والمعروف أن الشام -آنذاك- كانت تطلق على المنطقة الجغرافية الواسعة التي تضم كُلاً من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين, يقول ياقوت الحموي: "وأمّا حدُّها فمن الفرات إلى العريش المتاخم للديار المصرية، وأمّا عرضها فمن جبلي طيءٍ من نحو القبلة إلى بحر الروم وما بشأمة ذلك من البلاد وبها من أمهات المدن منبج، وحلب، وحمص، ودمشق، وبيت المقدس، والمعرة"([10]), وقال الشاعر ابن أبي حصينة في الشام([11]):

فَلا يُجْزَع الإسلامُ ما دُمْتَ سالِماً
ومِنْ دون هذا الشآم أنت

 

فَقَدْ عَزَّ غَيْلٌ فيه مثلُكَ رِئبَالُ
مرادِسة شُمُّ العَرانين أبطالُ
مَوارِدهُمْ والماءُ أزرقُ سلسالُ

تتضح قيمة المكان في هذا النص عبر منظومة المدح، والشاعر يبدأ بذكر صفات الممدوح، ليصل فيما بعد إلى قيمة المكان (الشام)، فقد اكتسب قيمته ومكانته من صفات الممدوح، فيخاطب الأمير قائلاً: إن الإسلام في أمن وأمان ما دمت سالماً، وكل مكان أنت فيه يصبح عزيزاً, واختار الشاعر للإشارة إلى المكان لفظة (غَيْل)، وهو الشجر الملتف الكثيف، الذي هو أصلاً سُكنى الأسد (رئبال)، وهكذا فإن هذا الممدوح/الأسد هو السبب في عزة المكان/غيل ومنعته، وإن (الشام) في عزة ما دام هذا الممدوح يحميها بما معه من (فتية مرادِسَة) قد نسبهم إلى المرادسيين من حيث هم قوم الممدوح، الذين كان لهم شأن كبير آنذاك, إن هؤلاء الفتية إذا ما رفعوا سيوفهم، حَرّموا مواردهم ومنعوها عن أي معتدٍ، وإن كان ماؤها صافياً نقياً سلسالاً، وهكذا فإن المكان لا قيمة له من دون ساكنيه, فهم الذين يمنحونه القيمة والمكانة، فإذا ما كانوا ضعفاء فالمكان يفقد قيمته مهما كان بهياً جميلاً, ولا ننسى أن الشام "تمثل في وجدان العرب احدى أكبر العواصم الحضارية والثقافية عبر ذاكرة العالم العربي والإسلامي منذ عبق التاريخ, وقد احتفى بها الشعراء قديماً وحديثاً فتردد ذكرها في ذاكرة الابداع الأدبي مدحاً وثناءً"([12]), وقال الشاعر ابن ابي حصينة في الشام ايضاً([13]):

مَنْ مُبْلغَ الأتراكِ أنَّ أمامهم
أمّوا وهَمُّوا بالورُودِ فَرَاعَهُمْ
وتَيقّنُوا أنّ الشامَ وأهْلَهُ

 

بحراً يُغرّقُ مَوْجهُ مَنْ يَشْرَعُ
مِنْ دونِهِ هذا الهَمامُ الأروَعُ
أحمى بِلادِ الخافِقينَ وأمنَعُ

نلحظ في هذه الأبيات أن هناك تداخلاً مكانياً بين قطبين مكانين: طبيعي وهو (البحر)، وصناعي هو (الشام)، فيتعاون القطبان ليشكلا وحدة كبيرة من القوة لصد أي هجوم قد تتعرض له الشام، فقد جمع الشاعر بين دور المكان الطبيعي وأهمية المكان الصناعي، من حيث ان (البحر) وهو القوة التي يتصف بها الممدوح وقومه، وقد حموا الشام، وذلك في قوله: (مَنْ مُبلغ الاتراك)، موصلاً رسالة تحذير إلى الأتراك بأنّهم لو حاولوا السير نحو الشام لاحتلالها، فإنّهم سيواجهون بحراً يُغرِق موجُهُ مَن يحاول ذلك, وإذ حاولوا ذلك وهمّوا به وتقدموا، فقد راعهم فعل هذا الأمير أبي العلوان الذي وصفه الشاعر بـ (الأروع)، بمعنى الذي يروع بإقدامه وشجاعته، أي أنّه أخاف الأتراك وأرعبهم، وحينها تيقن الأتراك ان الشام وأهله في أشد حماية وأمنع تحصين, وقال الشاعر ابن أبي حصينة في الشام أيضاً([14]):

إنْ كَانَ عَزَّ شامٌ أنْتَ مالِكُهُ

 

فليس يُنكَرُ عِزُّ الغِيلِ بالأسَدِ

نلحظ أن الشاعر في هذا البيت قد أعطى المكان قيمته ومكانته من خلال التقابل بين المكان الصناعي (الشآم) والمكان الطبيعي (الغيل) وهو موضع الأسد, فالشاعر يقول: إن كان للمكان الشام كل هذه القوة والمَنعة والعز فلأنك -أي الممدوح- مالكه، مثلما أن لا أحد يستطيع إنكار ان عز العرين يتحقق بوجود الأسد, وبهذا تتضح علاقة الشاعر بـ (الشام) التي تتسم بالتعالق والتآلف إذا أصبحت الشام "معادلاً موضوعياً"([15]) للممدوح، الذي له مكانة كبيرة في نفس الشاعر, وهكذا فإن موقف الشاعر من المدينة ينبع ممّا يحمله هذا المكان من قيمة ومن الألفة التي تسكن ذلك المكان, ليصبح المكان معادلاً موضوعياً لساكنيه "ففي العصر العباسي كثرت القصائد العشرية المتكاملة التي ترسم صورة المدينة بأبعادها الحضارية المختلفة، وترصد جماليات المكان عبر أنسنته وتشخيصه، فإذا به ينطق عن التصور الحضاري الذي شهده العصر"([16]), وليس هذا بالأمر الغريب على انسانٍ أولاً، وأديبٍ وشاعرٍ ثانياً أنْ يهتم بالمكان الذي يشعر بالانتماء إليه.

ومن المدن الأخرى التي ذكرها الشاعر ابن ابي حصينة في شعره (الرقة) و(الرافقة) وهما مدينتان متصلتان بالبناء، ولهذا تعرفان بـ (الرقتين) إذ قال فيهم([17]):

مَلكُوا مكاناً هدَّ رُكْنَ عَدوِّهمْ وحَمَوا بِلاد الرقتَيْنِ مِنَ العِدَى

 

وعَدُوَّهُ وحَسُودِهِمْ وحَسُودِهِ
والغيلُ لا يَحْميهِ غيرُ أسُودِه

تتعزز قيمة المكان في هذين البيتين وهو (بلاد الرقتين) عبر ورود ما يدل على عامةً أو تخصيصاً المكان أربع مرات، (ملكوا مكاناً)، و(رُكْنَ عدوهم)، و(بلاد الرقتين)، و(الغيل)، وهذا إن دلّ على شيءٍ فإنّما يدلُّ على مكانة (بلاد الرقتين) في نفس الشاعر؛ لأنّها من ضمن المحيط الذي يقع تحت سلطة الأمير الممدوح، وتتضح قيمة الرقتين في قوله: (ملكوا مكاناً هَدَّ رُكْنَ عَدُوهم) في إشارة إلى قوة هذا المكان ومنعته، الذي أصبح منطلقاً لهدِّ أركان الأعداء والحساد.

ونلحظ أن الشاعر ابن أبي حصينة عمد إلى التشبيه ليقرب المشهد إلى القارئ، فيعقد المقارنة بين هؤلاء الشجعان من قوم الأمير ابي العلوان ثمال والأُسود التي تحمي عرينها، ليصل إلى بيان فعل هذا الأمير الذي حقق الأمن والأمان لكل مكان حلَّ فيه ومنه بلاد الرقتين, إذ قال فيهم ايضاً([18]):

أغنَى الجزيرةَ لمَّا أنْ أقامَ بها
وأمَّنَ اللهُ أهلَ الرقتينِ بِهِ

 

عَنْ أَنْ تُشَامَ لها الأنواءُ والديَمُ
أنْ يَستْبِدَّ بِهِمْ ظُلْمٌ ولا ظُلَمُ

إن الشاعر يصوّر فعل الأمير وأثره في المكان, فقد أغنى الجزيرة لمّا أقام بها، عن السحاب والمطر بفضل عطائه وجوده، والجزيرة هي اسم مكان يطلق على ما يقع بين العراق والشام وهي منطقة السهول مفتوحة ومنبسطة "والجزيرة أسهل البلاد افتتاحاً، لأن أهلها رأوا أنهم بين العراق والشام، وكلاهما بيد المسلمين، فأذعنوا بالطاعة (.....)، وكانت تلك السهول ممتحنة عليهم وعلى مَن أقام بها من المسلمين"([19]). وقد حقق الأمن والأمان لأهل الرقتين، وحماهم من أن يتسلط عليهم ظالم، أو أن تغطي فضاءهم الظلمات، بمعنى أن وجوده فيهم وحكمه إياهم كان بمثابة الضياء والنور, وقد عبّر عن ذلك باستخدام الجناس بين (ظُلْمٌ) و(ظُلَمُ), وقال الشاعر ابن أبي حصينة في الرقة([20]):

عَادُوا إلى خَيْرِ ما اعتادُوا فانسلوا تملكُوا الرَّقة البيضاء وانتقلُوا

 

جَادُوا وذادوا عنِ الأعراضِ بالصَّفَدِ

بالعِزِّ منْ بلدٍ إلى بَلَدِ

 

يبين الشاعر قيمة المكان/المدية (الرقة) التي وصفها بـ (البيضاء)، في أثناء مدحه بني مرداس، الذين عادوا إلى خير أفعالهم وجميل صنعهم مع الناس، متمثلاً ذلك بصفة (الكرم), فإذا ما سألهم أحدها جادوا عليه، ودافعوا عن الأعراض ببذل العطاء لا بالسيف، فكسبوا جانب الناس بكرمهم وجودهم, في البيت الثاني تتأكد قيمة المكان بالفعل (تملكوا)، إذ يدل هذا الفعل على مكانة هذه المدينة لديهم، فقد جاء به بصيغة (تفعّل) ممّا يدل على القصدية والعمد.

ومن المدن التي ورد ذكرها في شعر الشاعر ابن ابي حصينة مدينة (الحضر)؛ إذ قال فيها([21]):

منازِلٌ طالما طلَّتْ عَقَائِلها
مِنْ كُلِّ مكحُولةِ العَينَيْنِ ما اكتَحَلَتْ

 

دَماً جُبَاراً بِلا عَقْلٍ ولا قَوَدِ
بإثمِدِ الحَضْرِ بَلْ عُلَّتْ مِنَ الثَّمَدِ

فقد ورد ذكر مدينة (الحضر) في هذين البيتين، مرتبطاً بجمال النساء اللواتي رحلن عن تلك المنازل, فإنّهن مكحولات العيون من دون أن تكتحل احداهن بكحل هذه المدينة (الحضر)، وهنا تتضح ثقافة الشاعر، فهو على علمٍ بأن أفضل أنواع الكحل وأجودها موجود في هذه المدينة([22]), إلّا أن النساء اللواتي رَحَلْتَ عنها عيونهُن مكحلاتً كحلاً ربانياً, وقد جاء في شرح ابي العلاء المعري لديوان الشاعر معنى عُلتْ: أي سُبقَت مرة بعد مرة، والثُمد: هو الماء القليل, وان عيون أولئك النسوة سُقيَت الماء القليل مرة بعد مرة وفي ذلك كناية عن جمالهن الذي لا يدخل إليه التصنع، بل هو جمال طبيعي لم تتدخل النسوة في تصنيعه بالزينة والبهرجة, كما ورد ذكر مدينة (كاظمة) في شعر الشاعر ابن أبي حصينة، إذ قال فيها([23]):

ياصَاحبيَّسقَى رَبْعاً بكاظِمَةٍ

 

مَثَجِّجٌ مِنْ حَيِيِّ العارِضِ البَرِدِ

يذكر الشاعر المكان عبر صورتين، الأولى المكان الميت (ربعاً)، والثاني المكان الحي، مدينة (كاظمة)([24])، وجاء ذكر هذين المكانين على سبيل التداخل, فالمكان الميت يقع ضمن المكان الحي بدليل وجود حرف الجر (الباء) في اسم (كاظمة)، ليدل على الالصاق، فهو يدعو لهذا الربع بالسقيا، لتصبح مدينة (كاظمة) روضة حيّة تعجُّ بالحياة، وقد ارتبط ذكر هذه المدينة بأحوال المحبين، ولاسيما الذين رحلت عنهم محبوباتهم فتركن الربع خالياً، "نرى ان كاظمة عنوان الحب، وبريد الأشواق، حتى للشعراء الذين لم يمروا بها، أو ينزلون حول عيونها العذبة، فهم على البعد يرونها سراب حبهم، ومربع شوقهم، فأبدعوا القول فيها"([25]).

ومن المدن التي ذكرها الشاعر ابن ابي حصينة في اثناء مدحه الأمير أبا العلوان مدينة (الرصافة), إذ قال فيها([26]):

حَتَّى إِذا نَزَلَ الرُّصَافَةَ شُيِّدَتْ
وَدَنَا مِنَ البَيْتِ الكريم وحَوْلَهُ

 

فيها قِبابٌ حَوْلَهُ وخِيَامُ
عَرْكٌ  لِفُرســـانِ  الوَغى  وزِحَامُ

تتأتى فاعلية المكان/المدينة (الرصافة) في مشهد الاحتفاء والحفاوة بمقدم هذا الأمير، الذي ما أن نزل هذه المدينة حتى شُيّدت فيها القباب والخيام، التي صارت مثل الأفلاك الدائرة حول الشمس، واقترب من البيت الكريم، وهي كناية عن القصر، الذي يوجد فيه قبر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بن مروان, ويذكر أن هذه المدينة قد عرفت بـ (رصافة هشام)، وهي مدينة تقع "غربي الرقة بينهما أربعة فراسخ على طرف البرية، بناها هشام لمّا وقع الطاعون بالشام وكانت يسكنها في الصيف"([27]). فهذه المدينة تمتلك ذاكرة تاريخية ارتبطت بحقبة زمنية مهمة في تاريخ الأمة العربية.

ومن البلدان التي ورد ذكرها في شعر الشاعر ابن أبي حصينة (العراق) و(نجد والحجاز), فقد ذكر الشاعر ابن أبي حصينة (العراق) في قوله([28]):

ولَقَدْ سَرَى بَرْقُ العِرَاقِ فَهَاجَ لي

 

بالشامِ وَجْداً مِنْ سَنَا لَمَعانِهِ

يذكر الشاعر (العراق) في موضع الحنين إلى الأحباب وهو في الشام, فالحنين مرتبط بالأماكن التي ترك فيها الانسان ذكريات جميلة، فكلما سرى برق العراق، هاج شوقه من نور لمعانه وهو في الشام, وتتضح فاعلية المكان من خلال التعلق به, فالمكان كلما كان جاذباً فهو يترك أثراً جميلاً في نفس الانسان، وكذلك عبر ما يخلفُهُ فيه الانسان من ذكريات جميلة.

"إن المكان في النص الشعري يكتسب حيويته من طريقين: الأول يتمثل بتجربة الشاعر ورؤيته للمكان من خلال التذكر وتداعي الأفكار والمشاعر، أما الآخر فهو التوظيف الشعري الذي يمثل بشبكة العلاقات القائمة بين الألفاظ والتي تعطي النص دلالاته وايحاءاته"([29])، فيولد النص ويولد معه المكان بصورته الجديدة التي تعكس فاعليته -أي المكان- وقال الشاعر ابن حصينة ذاكراً العراق أيضاً([30]):

طَيْفٌ ألمَّ بنا فَهَاجَ صبَابةً
أهْلاً بذلِكُمُ الخيالِ يضُمُّهُ
أسْرَى ومَنْزِلُهُ العراقُ ومنزلِي

 

بين الجَوانِحِ ذلِكَ الإلْمَامُ
بَعْدَ الإكمامِ تنائفٌ وإكامُ
حَلَبٌ بحيثُ الفضْلُ والإنْعَامُ

يتحدد المكان في هذا النص عبر التقابل بين مكانين: الأول (العراق) وهو المكان الذي زار الشاعر فيه طيفُ الحبيبة، فهاجت في صدره الصبابة، والحنين، والثاني (حلب)، وهو المكان الذي تهدأ فيه النفوس وتسكن عن شوقها؛ لأنّ فيها الفضل والعطاء والجود، كل ذلك بفضل الأمير أبي العلوان ثمال, ومن هنا نجد أن الشاعر يتجاذبه المكانان (العراق) وقد زاره منه طيف الحبيبة، قاطعاً الصحارى والبوادي، و(حلب) التي فيها الأمير المتفضل المنعم عليه، وهكذا فإن التجاذب بين هذين المكانين يعكس الصراع الداخلي في نفس الشاعر، فكلا المكانين محبوبان إلى قلب الشاعر, أمّا فيما يخص نجداً والحجاز([31])، فقال الشاعر ابن ابي حصينة في الحجاز([32]):

خليليّ هَلْ تحملانِ السَّلا
ومَنْ حَلّ بالنَّشَمِ المُسْتَطيلِ
إذا نزلوا عَلَماً بالحجاز
وقُلْنَا سَقَتْكَ غوادي الجُفُونِ

 

مَ مِنّا إلى سَاكِناتِ السَّلَمْ
بِرُوحيَ رَبارِبُ ذاك النَّشَمْ
بعثنَا السَّلامَ لِذاك العَلَمْ
إذا لَمْ تَجُدْكَ غَوادِي الرِّهَمْ

تظهر العلاقة بين الشاعر والمكان من خلال الحنين والشوق إلى الحبيبة التي لم يذكرها، بل اكتفى بذكر المكان مشيراً إلى ساكنيه ومنهم محبوبته، فهو يطلب من صاحبيه أن يحملا السلام منه إلى مكان يكثر فيه شجر (السّلم)، كما يكثر فيه نبات (النَّشم) وهو شجر تصنع منه الرماح المعروفة بـ (القِسي)، وما ذاك المكان إلّا الحجاز, وإذا ما نزل هؤلاء الأحبة جبلاً في الحجاز ارسل إليهم السلام إلى هناك, وما لم تسقِ الأمطار هذا المكان سقته الدموع الغزيرة، وما هذا كله إلا كناية عن بعد المسافة وصعوبة مظاهر الطبيعة التي تفصل بينهما.

ولا تقل نجد أهميةً عند الشاعر ابن ابي حصينة عن الحجاز فهي في المقام ذاته, إذ قال الشاعر ابن أبي حصينة في نجد([33]):

ألَا ما لقَلْبي كُلَّما ذكرتْ هندُ
ومَا لي كأَني أجْرَعُ الصبر كُلَّماإذا نَزَلتْ نَجْداً تَنَفَّسْتُ لَوْعَةً

 

تَزَايدَ بِي هَمٌّ وَبَرَّحَ بي وَجْدُ
تَعرَّضَ لي مِنْ دُونِها الأجْرَعُ الفَرْدُ وقُلْتُ ألَا واحَرَّ قَلْبَاهُ يا نَجْدُ

للمكان ارتباط وثيق بحال الشاعر، فهناك أماكن كان حضورها الأبرز والأهم في موضوع حلب والصبابة، ومنها (نجد) هذا المكان الذي تغنى به الشعراء كثيراً لاقترانه بالعشاق والمحبين، ومنهم الشاعر ابن ابي حصينة، الذي كلّما ذُكرت (هند) زادت في قلبه الهموم وعظم شوقه إليها, ويأتي ربط الشاعر ذكر المرأة بالمكان على سبيل العوض، إذ يقوم أحدهما مقام الآخر, فإذا ما نزلت (هند) تنفس اللوعة، وقال (واحرَّ قلبها يا نجدُ)، فيصبح المكان معادلاً موضوعياً للحبيبة (هند).

وقد يعمد الشاعر ابن أبي حصينة إلى ذكر أماكن/مدن عديدة في نص واحد كما في قوله([34]):

عِشْ حِقْبةً لا تنتهي بل تبندي فإذا تَقضَّتْ مدةٌ معهودةٌ
فتدُومُ مَخصَوصاً بِعِزٍّ سَرْمَدٍ
...........................
والبُزْلُ حَامِلَةُ القَبابِ كأنها
في سبسبٍ عن سبسبٍ أو مَجْهَل ٍتركَتْ مَحَلَّ ابن الرَّسولِ وأقْبلتْو
تشوَّفَتْ أعْناقُها في رَبْوَتَيْ وسَرَتْ إلى أن جَاوزتْ تحت الدُّجَى وتكرَّهَتْ ماءَ الجِفَارِ وحَاوَلَتْ وتيامَنَتْ عَنْ بَحْرِ (صُورٍ) تبتغي وأَتَتْ (طرابُلُساً) تكادُ قلوبُها وَتَيَمَّمَتْ (مَرَقِيَّةَ) وقدِ انطوَتْ وشكَتْ بِها فَرْطَ السَّحَاب وفَرطَما ونَوَتْ (حَمَاةَ) والغَمَامُ يصُدُّهَا
ونَوَتْ (كَفَرْطَابَ) ومِلءُ صدورها وتجاوزتْ أرضَ (المَعَرَّةِ) وانْتَشَتْ وبأرضِ (سَرْمِينٍ) أُرِيحَتْ بَعْدَما

 

وتَملَّ بالدنيا وأَبْلِ وجَدِّدِ
وُصِلَتْ بأَسْعَدِ مُدَّةٍ لم تُعْهَدِ
لا يَنْقَضي وبطولِ عمرٍ سَرْمَدِ
......................................
سَكْرى لكِثرةِ ما تَروحُ وتَغتَدِي
عن مَجْهَلِ أوْ فَدْفَدٍ عَنْ فَدْفَدِ
منُصُوصَةً نبْغي مَحَلَّ السُّؤدُدِ
(مِصْرٍ) إلى البلدِ القصيّ الأَبعدِ
رَمْلَ (العرِيشِ) ورَمْلَ (ذاتِ الفرقدِ)
ماءً بِشَطِّ قُوَيْقَ عَذْبَ المَوْرِدِ
بالشَّامِ أُمَّ الناجِعينَ القُصَّدِ
تطغى مِنَ الشوقِ المُقيم المُقْعِدِ
مِما تجُوبُ البِيدَ طَيَّ مُجَلَّدِ
بقلوبِها مِنْ لَوْعةٍ لَمْ تبْرُدِ
عَنْ قَصْدِها صَدَّ الحِيَامِ الوُرَّدِ
شوقٌ أحرَّ من الجحيمِ المُوقَدِ
ريحَ الحياةِ مِنَ السبيلِ الأقْصَدِ
شَكَتِ العَيَاءَ مِنَ الذَّمِيلِ السَّرْمَدِ

إن ذكر الأماكن بكثرة يؤكد عمق التجربة الشعورية لدى الشاعر، ويؤكد كذلك الثقافة العالية التي يتمتع بها الشاعر، كيف لا؟! وهو الشاعر الأمير الفارس، الذي جاب الأرض طولاً وعرضاً؛ فعلى مستوى المدن ورد في هذا النص ذكر عشرة مدن هي (مصر/العريش/ذات الفرقد/صور/ طرابلس/مرقية/ حماة/كفرطاب /المعرة/سرمين). أمّا على مستوى المكان الطبيعي، فنلحظ ورود ذكر (روض /القباب/سبسب /فدفد/مجهل/ محل/ربوتي/البلد القصي/ماء الجفار/شط قويق/البيد/ الجحيم/السبيل), فالشاعر يسافر بنا من مكانٍ إلى آخر، وينقلنا من صورة إلى أخرى، داخل إطار زمني واحد، فاختصر رحلة ينتقل فيها الانسان من مكان إلى آخر قد تستغرق أعواماً، وما كان لعملية الاختصار هذه أن تتم إلّا من خلال الزمن المتخيل؛ ذلك "لأنه يجوز أن تنشأ الهجرة من مكان إلى مكانٍ آخر إلا داخل إطار الزمن"([35])، وعبر فعل التخييل على مستوى الابداع الأدبي ولاسيما الشعري منه، وقد حدَّد الشاعر إطار الزمن في الأدبيات الثلاثة الأولى من القصيدة, أمّا فعل التخيل، فيتمثل في أن الشاعر ابن ابي استحضر كل تلك الأماكن التي مرَّ بها سابقاً في لحظة استذكار لها.

 

الخاتمة

       فقد شكّلت المدينة ظاهرة بارزة تلفت الانتباه في شعر ابن أبي حصينة، حتى إن القارئ يلتمس لها حضورًا كبيرًا على امتداد الديوان، فضلا عن تنوع المدن الذي تضافر مع التعدد المكاني ليعزز قيمة المدينة في شعره, كما وجدنا في معرض دراستنا هذه أن الشاعر قد أورد أسماء الكثير من الأماكن في شعره، وليس هذا أمرًا اعتباطيًا، بل إنّه يدلّ على تعايش الشاعر حقيقة مع كل تلك الأماكن التي جاء على ذكرها في شعره، فضلًا عن أن ذلك يدلّ على أن الشاعر كان كثير التنقل من مكان إلى آخر، وانعكاس تجربته الشعورية مع الأمكنة في شعره.

       ممّا لفت انتباهنا في شعر ابن أبي حصينة ورود أسماء المدن المتعددة إلى درجة أنّ حضور المدينة في شعره شكّل ظاهرة بارزة في نصه الشعري، وهذا ارتبط بمقوماته الشخصية كونه كان أميرًا و فارسًا في كنف أمير حلب آنذاك أبي العلوان ثِمَال، فكان يُعَيَّنُ في مدن متعددة, الأمر الذي يتطلب منه التنقل بينها والتعرف عليها، وترك ذكرياته وراءه في كل مدينة يغادرها، فكان للمدينة في شعر ابن أبي حصينة أبعاد تمثّلت في البعد النفسي، والبعد الديني، والبعد التاريخي والسياسي، والبعد الاجتماعي، وكان لكل بعد من هذه الأبعاد تأثيره الواضح على الإنسان في شعر الشاعر موضوع البحث، وقد اختلفت دلالة المدينة لدى الشاعر بحكم اختلاف رؤيته و حالته الشعورية، ذلك كون المدينة بوصفها مكانا في علاقة تلازمية مع الإنسان، فتتحد تلك العلاقة عبر الأبعاد التي تؤطر ذلك المكان / المدينة، ثم تتحدد عبره بعد ذلك معطيات العلاقة الجدلية المنعقدة بين المبدع والمدينة.

 

المصادر

 

References

1.      Mortad  A M. The structure of poetic discourse (1st ed.). Dar Al-Hadatha for Printing, Publishing and Distribution. 1986.

2.      Al-Zubaidi MM.  Taj al-arous min jawahir al-qamoos (A. M. K. Ibrahim & K. S. M. Mahmoud, Eds.). Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah. (Original work published ca. 1205 AH). 2011.

3.      Saadoun H H.  Manifestations of place in the poetry of Al-Sari Al-Rafa’. Al-Ustad Journal for the Humanities and Social Sciences. 2014; 1(210).

4.      Aqaq Q.  The significance of the city in contemporary Arab poetic discourse: A study of the problem of aesthetic reception of place. Arab Writers Union Publications. 2001.

5.      Al-Aasar M  F. The significance of place in Umayyad poetry (The poetry of Qais bin Al-Malouh as an example). Kufa Journal 2017;(11).

6.      Al-Maarri A A.  Diwan Ibn Abi Hasina (M. A. Talas, Ed.). Dar Sader. 1956.

7.      Ibn Manzur.  Lisan al-Arab (A. M. Abd al-Wahhab & M. al-S. al-Ubaidi, Eds., 3rd ed.). Dar Ihya’ al-Turath al-Arabi. (Original work published ca. 711 AH). 1999.

8.      Bakour H F H.  The city in Abbasid poetry until the end of the fourth century AH (Doctoral dissertation, Faculty of Arts, Yarmouk University).1999.

9.      Abdel Nour J.  Literary dictionary (1st ed.). Dar Al-Ilm Lil-Malayin. 1979.

10.   Al-Hamawi Y ). Mu‘am al-buldan (M. A. al-Maraashli, Ed.). Dar Ihya’ al-Turath al-Arabi. (Original work published ca. 626 AH). 2008.

11.   Al-Badrani S M. Place in the poetry of Ibn al-Dahan al-Mosili (MSc. thesis, College of Education for the Humanities, University of Mosul). 2023.

12.   Encyclopedia of Islamic terms and dictionaries. Retrieved from https://termindogyenc.

 

 

 

 

 

 

 

 



([1]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/23. المُرْهَم: من الرَهم وهي أمطار ضعاف، الرهجة بالكسر: المطرة الضعيفة الدائمة جمعها رَهَم ورِهام، وارهمت السحابة أتت بالرهم وارهمت السماء وامطرتها، ديوان ابن أبي حصينة: 2/34.

([2]) المكان في شعر ابن الدهان الموصلي: شهد موفق بدر فتحي البدراني، (رسالة ماجستير): 78.

([3]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/146.

([4]) دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر دراسة في إشكالية التلقي الجمالي للمكان، قادة عقاق: 22.

([5]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/157، وينظر: المصدر نفسه: 1/167، والمصدر نفسه: 1/168.

([6]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/202-203. الفرج: الطريق الواسع في الجبل، السحيق: البعيد ومنه قولهم: سُحقاً وبُعْداً، والحَدَبْ: الغليظ من الأرض وفي الكتاب العزيز (من كل حلب ينسلون)، أي من كل طريق غليظ من الأرض، ديوان ابن أبي حصينة: 2/215.

([7]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/212. ورقاء: هنا الناقة، السَقُب: بفتح السين ولد الناقة أول ما يولد وجمعها سقبان وهي سقبة ويريد بالقلعة البيضاء قلعة حلب، وهما أي القلعتان حلب وقلعة عزاز.

([8]) المصدر نفسه: 1/247.

([9]) التشخيص هو" هو إبراز الجماد أو المجرّد من الحياة، من خلال الصورة، بشكل كائن متميز بالشعور والحركة والحياة " المعجم الأدبي: جبور عبدالنور: 67.

([10]) معجم البلدان: 3/312.

([11]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/29. والغيل بالكسرة والفتح في الأصل هو الشجر الملتف، وكل وادٍ فيه ماء واجم. ثم اطلقوه على موضع الأسد، ديوان ابن أبي حصينة: 2/55.

([12]) دلالة المكان في الشعر الأموي (شعر قيس بن الملوح انموذجاً): محمد فتحي الأعصر، مجلة الكوفة:226.

([13]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/36؛ وينظر: المصدر نفسه: 1/112. الأروعُ: الذي يروعكَ بجماله، والمصدر نفسه: 2/41.

([14]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/145؛ وينظر: المصدر نفسه: 1/161.

([15]) "وهو مصطلح حديث في النقد عُرف مع توماس إليوت الشاعر الناقد، وكوّن الجزء الأساس من آرائه النقدية وانتهى فيما بعد إلى كونه أداة نظرية، اعتُمِدت معياراً للشعر، ويشير هذا المصطلح إلى أن الطريقة للتعبير عن الانفعال في صورة فنية "هي العثور على معادل موضوعي". المعادل الموضوعي في مدائح ابي تمام الطائي، د.فوزية علي زوباري، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، مجلد 87، ج2، 478.

([16]) المدينة في الشعر العباسي حتى نهاية القرن الرابع الهجري، حسين فالح حسن بكور، (اطروحة دكتوراه)، 14-15.

([17]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/45. الرقتان: هما مدينتان في الأصل (الرقة والرافقة) وقد سميتا بالرقتين من باب التغليب لقربهما من بعض، وكأنهما كالمدينة الواحدة.

([18]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/46؛ وينظر: المصدر نفسه: 1/52. الظُلم: هي جمع ظلمة وهي واحدة الظلمات.

([19]) معجم البلدان: 2/125.

([20]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/132. والصفد: يعني العطاء، ينظر: المصدر نفسه: 2/139، والرقة البيضاء: "شهدت الرقة عصرها الذهبي حين انتقل الخليفة هارون الرشيد للإقامة بها، حين نافست بغداد بازدهارها الثقافي والاقتصادي، وقد بنى الرشيد لنفسه مقراً في المنطقة عرف باسم قصر السلام، وأنشأ ميادين للسباق وحدائق غنّاء على ضفتي الفرات، إضافة إلى ميناء للسفن النهرية. وبنى أيضاً قصر هرقلة والقصر الأبيض فعرفت الرقة آنذاك بالرقة البيضاء". www.discover-syria-com.

([21]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/130. جباراً هدراً، العقل: الديّة، القود: القصاصُ، الحضر: مدينة بإزاء تكريت بينها وبين الموصل والفرات، الثَمَدُ: بفتح الميم: الماء القليل، وعُلتْ: أي سقيت مرة بعد مرة، وينظر: المصدر نفسه: 2/137.

([22]) موسوعة المصطلحات والقواميس الإسلامية، https://termindogyenc.com. والإثمد: بالكسر هو حجر المكحل. تاج العروس: 4/375. واثمِدِ: وهو الذي يكتحل به. معجم البلدان: 1/92.

([23]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/130. مثجج: هدر، أي يثج الماء، بمعنى طفح وعلا، والثجة: الروضة فيها ماء.

([24]) مدينة كاظمة هي جَوّ على سيف البحر في طريق البحرين من البصرة، بينها وبين البصرة مرحلتان، وفيها رعايا كثيرة وماؤها شروب واستسقاؤها ظاهر، وقد اكثر الشعراء من ذكرها. معجم البلدان، ياقوت الحموي: 4/431.

([25]) كاظمة في الشعر العربي، إعداد: أحمد زكي الانباري، 7-8.

([26]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/194؛ وينظر: المصدر نفسه: 1/308.

([27]) معجم البلدان: 3/47.

([28]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/38.

([29]) تجليات المكان في شعر السّريَ الرّفاء، د.حازم حسين سعدون، مجلة الأستاذ للعلوم الإنسانية والاجتماعية، (بحث منشور): 153.

([30]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/193. التنوفة والتنوفية: المفازة الصحراء وجمعها تنائف.

([31]) وهما اسمان يطلقان على أماكن متعددة ضمن شبه الجزيرة العربية وتطلق في الغالب على مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقيل: فرق ما بين الحجاز ونجدا انه ليس بالحجاز غضاً مما أنبت الغضا فهو نجد وما أنبت الطّلح والسّمر والأسل –واحدة اسلة- فهو الحجاز، وقال الأصمعي: طرق تهامة من قبل الحجاز مدارج العرج، واول تهامة من قبل نجد ذات عرق. معجم البلدان: 1/84.

([32]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/62-63. السَّلمُ: نبت معروف وهو شجرة مادته يدبغُ بها، النّشمُ: شجر تُصنع منها القيسِيّ، عَوادي الجفون هي الدموع، غوادي الرهمُ: هي الأمطار.

([33]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/70. والأجرعُ: كثيب جانب منه رمل، وجانب منه حجارة (.....)، وقال ابن الأثير: الأجرعُ "المكان الواسع الذي فيه حزونة وخشونة". لسان العرب: 2/253.

([34]) ديوان ابن أبي حصينة: 1/297-298. العريش: كل معروف بين الشام ومصر وذات الفرقد في فلسطين، السبسب: الأرض المستوية البعيدة لسان العرب: 1/460، فدفد: وهي أرض الغليظة ذات الحصة وقيل المكان المرتفع الصلب والمكان المرتفع فيه صلابة وجمعها فدفد. لسان العرب: 11/141، والمجهل: المفازة لا أعلام فيها. لسان العرب: 11/130، مرقية: لعله يقصد قلعة المرقب الحصينة المشرقة على ساحل بحر الشام قرب جبلية. الحيام: جمع حائم وهو العطشان، والحيام أيضاً مصدر حام يحوم إذا عطش، كفرطاب: بليدة كانت مشهورة ذكرها ياقوت الحموي في بلدانه: 4/298 فقال: بلدة بين المعرة وحاب في برية معطشة ليس لهم شرب إلا ما يجمعونه من مياه الأمطار في الصهاريج، سرمين: مدينة ما تزال مشهورة على بعد خمسين كيلومتراً من جنوب غربي حلب ذكرها ياقوت الحموي: 3/83، فقال هي بلدة مشهورة من أعمال حلب، والذميل: مصدر ذمل البعير يذمل إذا سار سيراً ليناً.

([35]) بنية الخطاب الشعري: عبد الملك مرتاض: 170.

1.      Mortad  A M. The structure of poetic discourse (1st ed.). Dar Al-Hadatha for Printing, Publishing and Distribution. 1986.
2.      Al-Zubaidi MM.  Taj al-arous min jawahir al-qamoos (A. M. K. Ibrahim & K. S. M. Mahmoud, Eds.). Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah. (Original work published ca. 1205 AH). 2011.
3.      Saadoun H H.  Manifestations of place in the poetry of Al-Sari Al-Rafa’. Al-Ustad Journal for the Humanities and Social Sciences. 2014; 1(210).
4.      Aqaq Q.  The significance of the city in contemporary Arab poetic discourse: A study of the problem of aesthetic reception of place. Arab Writers Union Publications. 2001.
5.      Al-Aasar M  F. The significance of place in Umayyad poetry (The poetry of Qais bin Al-Malouh as an example). Kufa Journal 2017;(11).
6.      Al-Maarri A A.  Diwan Ibn Abi Hasina (M. A. Talas, Ed.). Dar Sader. 1956.
7.      Ibn Manzur.  Lisan al-Arab (A. M. Abd al-Wahhab & M. al-S. al-Ubaidi, Eds., 3rd ed.). Dar Ihya’ al-Turath al-Arabi. (Original work published ca. 711 AH). 1999.
8.      Bakour H F H.  The city in Abbasid poetry until the end of the fourth century AH (Doctoral dissertation, Faculty of Arts, Yarmouk University).1999.
9.      Abdel Nour J.  Literary dictionary (1st ed.). Dar Al-Ilm Lil-Malayin. 1979.
10.   Al-Hamawi Y ). Mu‘am al-buldan (M. A. al-Maraashli, Ed.). Dar Ihya’ al-Turath al-Arabi. (Original work published ca. 626 AH). 2008.
11.   Al-Badrani S M. Place in the poetry of Ibn al-Dahan al-Mosili (MSc. thesis, College of Education for the Humanities, University of Mosul). 2023.
12.   Encyclopedia of Islamic terms and dictionaries. Retrieved from https://termindogyenc.
 
 
 
 
 
 
المجلد 4، العدد 1
الشتاء 2026
الصفحة 17-22