نوع المستند : Original Article
المؤلف
جامعة سوق أهراس، الجزائر كلية الآداب واللغات، قسم اللغة العربية وآدابها
الكلمات الرئيسية
|
|
||||||||
|
مجلة النور للدراسات الإنسانية |
||||||||
|
https://jnh.alnoor.edu.iq/ |
|
|||||||
|
|
|
|||||||
|
|
|
|||||||
|
التزامل في رواية امرأة في عيون نزقة لـ(ايمان المحمداوي) |
|
|||||||
|
|
|
|||||||
غزلان الهاشمي |
|
|||||||
|
|
|
|||||||
|
كلية الآداب واللغات ، قسم اللغة والأدب العربي ، جامعة سوق أهراس ، الجزائر |
|
|||||||
|
|
|
|||||||
|
Article Information |
|
المستخلص |
|
|||||
|
Article history: Received:3 February 2025 Revised: 10 March 2025 Accepted: 25 March 2025 |
|
تنهض رواية "امرأة في عيون نزقة" للكاتبة العراقية "إيمان المحمداوي" على حشد من القضايا ،وهذا الحشد يؤكد على مفهوم التزامل ،الذي نعني به الحديث عن مسائل متعددة وتحولات اجتماعية وسياسية وأدبية .. في نص واحد ،وقد يكون هذا الحشد الموضوعاتي من قبيل التعبئة الصورية التي تمارسها الكاتبة من أجل التخلص من قلق البوح والعبء الذاكراتي ،ولربما تأتي هذه القراءة لتحاور هذا التزامل دون التأكيد على موضوع واحد أو تيمة محددة ،وكأنها تعبر عن ورطة المتلقي وهو يحاول القبض على النص في كليته ، والذي أطلقت عليه مسمى "النص الذي يريد قول كل شيء" أو النص الذي يريدك أن تنصت إليه في توصيفه المتشعب للواقع، هذا معناه :إنك ـ كقارئ ـ الكلمات المفتاحية :قراءة العنوان،التعاقب الحكائي، السلطة الذكورية والأنوثة المهدمورة.
|
|
|||||
|
Keywords: Title Analysis Narrative Alternation Patriarchal Authority Suppressed Femininity |
|
|||||||
|
Corresponding Author Ghazaln, H |
|
|||||||
|
|
|
|
||||||
|
DOI: https://doi.org/10.69513/jnfh.v2.i1.ar1, ©Authors, 2024, College of Education, Alnoor University. This is an open access article under the CC BY 4.0 license (http://creativecommons.org/licenses/by/4.0/). |
|
|||||||
Al-Tazamil in the novel “Woman in Flickering Eyes” by (Iman Al-Muhammadawi)
|
This Photo by Unknown Author is licensed under CC BY-SA |
Ghazaln, H.
Faculty of Arts and Languages, Department of Arabic Language and Literature, University of Souk Ahras, Algeria
Abstract
The novel A Woman in Restless Eyes by the Iraqi writer Iman Al-Muhammadi is built upon a multitude of issues, reinforcing the concept of simultaneity—a term we use to describe the discussion of multiple topics and social, political, and literary transformations within a single text. This thematic density may serve as a narrative mobilization employed by the author to alleviate the anxiety of confession and the burden of memory.
Perhaps this reading seeks to engage with this simultaneity without emphasizing a single subject or theme, reflecting the predicament of the reader attempting to grasp the text in its entirety. This is what I have termed “the text that wants to say everything”—a text that demands your attention as it unfolds its intricate depiction of reality. In other words, as a reader, you are drawn into an experience that resists singular interpretation.
مقدمة البحث
تطرح رواية "امرأة في عيون نزقة" للكاتبة العراقية "إيمان المحمداوي" عدة قضايا، وهذا الحشد يؤكد على مفهوم التزامل، الذي نعني به الحديث عن مسائل متعددة وتحولات اجتماعية وسياسية وأدبية .. في نص واحد، وقد يكون هذا الحشد الموضوعاتي من قبيل التعبئة الصورية التي تمارسها الكاتبة من أجل التخلص من قلق البوح والعبء الذاكراتي، ولربما تأتي هذه القراءة لتحاور هذا التزامل دون التأكيد على موضوع واحد أو تيمة محددة، وكأنها تعبر عن ورطة المتلقي وهو يحاول القبض على النص في كليته، والذي أطلقت عليه مسمى "النص الذي يريد قول كل شيء" أو النص الذي يريدك أن تنصت إليه في توصيفه المتشعب للواقع، هذا معناه : إنك ـ بوصفك قارئًا ـ "تجعل النص مختلفًا كل الاختلاف. وبتعبير أدق:إنك تنهض بآخرية أي نص على أكمل وجه وإلى أقصى درجة. إنك تستحضر النصوص الأشباح التي يمكن للنص أن يأويها. كما أنك تسلّم أن ثمة، بالموازاة مع العمل المنتهى منه ،سلسلة من الأعمال الافتراضية ،والنصوص الممكنة والطيفية، التي كان في مقدور الكاتب أن يكتبها، وربما فكر فيها، وهجرها، ولكن التي في مستطاعك أنت، مثل مستحضر الأرواح، أن تبث فيها ماء الحياة". (ديكو، 2022،120)
إن القارئ المثالي من وجهة نظر "ألبيرتو مانغويل" هو"القادر على تشريح النص، سلخ الجلد، تقطيع اللب إلى شرائح، متابعا كل شريان وكل وريد، ومن ثم يوقف كائنا واعيا جديدا بالكامل على قدميه ..." (مانغويل، 2014، 229). ولعل هذا الأمر ـ أي الاحتفاء بفعل القراءة ـ ومعه هذا التزامل يجعلنا لا نقارب النص باعتباره نصا نسويا فقط ، لأن "إسقاط مقاييس الكبت والقهر على الكتابة النسائية، والحكم عليها بهاجس القضية النسائية التي تعاني سطوة الرجل والمجتمع، والإفراط في تقديم صورة المرأة المستلبة ضمن وضع الضحية المغلوبة على أمرها، يحولها في أحايين كثيرة إلى شبه مرافعة مفرغة من أي محتوى إبداعي، وبالتالي يحصر الأدب في خانة التنفيس ضد قيم التهميش، ليصبح في نهاية المطاف مجرد مؤشر للمعاناة السيكولوجية ". (عماري، 2020، 40).
قراءة في العنوان:
قبل الولوج إلى عالم الرواية لابد من تقديم قراءة في العنوان، وإن كنا لا ندعي الوصول إلى مكنوناته والكشف عن أسراره وفك شفراته، إلا أننا نؤكد على أهميته ،إذ "يحتل لوحده صدارة، ووسط بداية صفحة الغلاف الأولى أو أعلاها، متربعا بذلك الموقع التفضيلي على مركزها المشرق، الأمر الذي يحيله إلى لوحة إشهارية مضيئة على صدر غلاف الرواية، والهدف الضمني من ذلك هو اقتناص الأنظار، واستمالة القراء كما يؤهله هذا الموقع المتميز، لكي يصبح سلطة عليا على كل الملفوظات الأخرى التي تشكل في تلاحمها وتكاملها وتناغمها، العناصر المكونة للعمل الروائي في شموليته" (اشهبون، 2011، 10)، فالعنوان يحمل قوة تحفيزية تدفع القارئ لأن يخوض مغامرة القراءة وتحفزه على النبش عميقا. العنوان عبارة عن عدة ملفوظات، وقد تدل لفظة "امرأة" على النص، فهما يتشاركان في الإغواء والمثول في دهشة السؤال من خلال التمنع والألغاز، وأما العيون النزقة فهي عيون القارئ المتلهف للكشف، ولرفع الحجب عن نصيات تغري بالإنصات إليها على تعددها واختلافها حد التضاد. أليست المرأة كما النص عبارة عن سردية في حكم التأجيل؟ وانبثاق وتجدد يجذب المتلقي الذي يبهره الاستغلاق؟، وقد تدل المرأة على الوطن الذي يكون ماثلا في عيون المنتفعين الذين تحركهم شهوات السلطة، والنفوذ، والمصالح المادية والمعنوية.
التعاقب الحكائي:
الرواية عبارة عن ثلاث سرديات، كل مرة تستلم شخصية ما البوح لتسرد الوقائع وتعاين الحقائق من منظورها الخاص، ويتكرر الأمر على طول المسار الروائي، فمرة تستلم "أحلام" الحكي، ومرة يستلمه "خالد" ومرة صديقة البطلة "إيمان" وهي صاحبة هذا النص الروائي، ولربما هذا السرد المتعدد الأصوات يعلن عن الأنا في مركزيتها، إذ يرفض الغياب الذي يفضي إلى إقصاء العديد من الوقائع، كما يشي برغبة الكاتبة في عرض التفاصيل من وجهات نظر أبطالها حتى لا تترك مجالا للانتقاء المفضي إلى التحيز، ولتشرعن الاختلاف والتعدد وتترك الباب مفتوحا أمام قارئها لجمع شتات الحكاية وتشكيل رؤية خاصة حول قضاياها، وقد يأخذنا ذلك إلى مفهوم التزامل الذي تحدثنا عنه في البدء، حيث يتجاوز المواضيع إلى السرود أو الشخصيات ليؤكد رغبة الكاتبة في الانفلات من مركزية الحكاية نحو سرديات هامشية أو بوح يعاند أحاديته، ويؤكد على أن القراءة لا يمكن لها أن تكون إلا تعددًا وانفلاتًا وتجاوزًا واختلافا..
العناوين والعتبات:
قامت الروائية بنوع من الاستيلاف الحكائي، حيث استعارت شخصيتي رواية “ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي "أحلام أو حياة" و"خالد"، وهنا يجب ألا ننسى أن "خالد بن طوبال" من الشخصيات الورقية التي صار لها حضورا مركزيا داخل المخيلة القرائية، خالد الذي وهب لبطلة رواية ذاكرة الجسد حياة جديدة، يفعل الأمر ذاته في رواية امرأة في عيون نزقة، حيث يمنح أحلام حياة جديدة حينما يحررها من سلطة الزوج أولا بتولي قضيتها، ثم من سلطة الأخ بالزواج منها، لكن الكاتبة تمنحه هنا فرصة اللقاء كتعويض عن ضياع الفرصة في رواية ذاكرة الجسد، لتؤكد على سلطتها على النص وصياغته، وعلى مركزية حضورها، وقد تكون الاستعارة بسبب تشابه الأحداث بين العراق والجزائر، الاستعمار والفتنة؛ لذلك نجد أن الشخصيات تغادر نفسها باستمرار لتؤثث النص بدهشة السؤال، وتجعله مفخخًا ومنفتحًا على اعتبارات خطابية مغايرة ، وأما إيراد أقوال كتاب وفلاسفة، فليس من باب الاستعراض، وإنما يدل على أن الكاتبة ترغب في قول كل شيء، كما هو نصها الذي يريد قول كل شيء، فضلا عن تأكيد حجة النص بعيدا عن تهمة التلفيق والكذب التخييلي، ونحن لا ندعي الجزم في ذلك، فهي مجرد قراءة تحاول مجاوزة الظاهر، ومغادرة الدلالة الواضحة، ولا سيما أن مضمون النص ينتسب "للقارئ أكثر من انتسابه للمؤلف والناشر، فهو ابن قراءته التأويلية، ومخزونه المعرفي، وقدراته على تضفير الخيوط المتوازية لصناعة كيان ، ولعل هذا النسب بجوار التبعية والنقصان والاحتمالية ما يجعل العتبات مدخلا للنص القابع خلفها، لا ترقى إلى أن تكون نصًا مستقلًا" (الرمادي، 2014، 300).
السلطة الذكورية والأنوثة المهدورة:
تبرز الرواية معاناة الهامش/المرأة داخل مجتمع ذكوري متسلط، إذ تحاول الذات المركزية / الرجل أن تفرض رؤيتها ومنطقها، من خلال صياغة واقعها وتبخيس مكانتها واعتبارها مجرد لاحق أو عارض أو تابع، مهمتها خدمته والانصياع لقراراته، وفي هذه الرواية نجد تمثيلات متعددة للسلطة الذكورية: الأخ، الزوج، رجل القانون الذي دخل في لعبة الطمس والتبخيس بعد أن صار زوجا ثانيا، "لقد جرى تمثيل سردي لجوانب من عالم المرأة العربية، وما يلاحظ هو أن المرجعيات الثقافية قد وجدت لها حضورا في ثنايا ذلك التمثيل، إنه حضور الأنساق الثقافية السائدة والمهيمنة التي ثبتت صورا تعارضية بين الرجل والمرأة من ناحية الأدوار والوظائف والأهمية والقيمة والكفاءة، وقد عالج السرد النسائي هذا الموضوع، لا بوصفه مشكلة فحسب، إنما ذهب إلى عرض طبيعة التنازع الثقافي، طارحا بدائل تتصل بقلب الأدوار والصراع على المواقع. لعل الرواية النسائية العربية بذلك تكون قد عبرت رمزيًا عن الحركات الخفية المتصلة بإعادة النظر فيما هو موروث وسائد ومقدس، وصولا إلى خطاب لا تمركز ثابت فيه، وذلك يتطلب تجاوز المطلب الأيديولوجي الشائع حول نوعي التمركز: حول الذكورة وحول الأنوثة، وما تستبدل شفافية تتساوق فيها الهويات المشتركة وتتناغم" (ابراهيم، 2002، 38). إن الأخ/ مهيمن يمثل العقلية الإقصائية التي تحاول التحكم في مصير الذات المهمشة/المرأة، لذلك اختارت له الكاتبة هذا المسمى الذي يحمل دلالة السيطرة والتسلط والاستبداد، بل ويمثل النظرة الاحتقارية للمرأة من قبل المجتمع في حال تمردها ورفضها للظلم الممارس عليها، لذلك يرافقها ويراقبها ويحاول إلزامها بالعودة إلى زوجها دون اعتبار لمعاناتها، تقول الكاتبة: "فلا يحق لامرأة مطلقة بالخروج وحدها.." (المحمداوي، 2021، 11) ، ناهيك عن أنه يمثل جانبا من السلطة الاجتماعية بما تفرضه من تقاليد وأنماط تفكير تتسم باللامعقولية وعدم الانسجام واللامنطقية، فالنظرة الانتقاصية للمرأة المطلقة تمثل تحيزا واضحا للسلطة الذكورية ودعما لمركزية الرجل، لذا تتم شيطنة وأبلسة المرأة الثائرة أو التي تحاول تغيير حياتها وترفض السلطة المطلقة له، إلا أن الهامش الأنثوي /أحلام ورغم هشاشتها بسبب العنف اللفظي والجسدي والمعنوي الذي تعرضت له، تبقى متماسكة فترفض هذه الهيمنة وتتجاوزها نحو سردية مغايرة، وهي سردية خالد، حيث تتحدى كل الانكسارات وتحاول لملمة تبعثراتها النفسية والعقلية والوجدانية وحتى النصية من أجل إعادة صياغة ذات أنثوية تتسيج بمركزية متجاورة، حيث التعدد والحوارية واحترام الغيرية. "تذكرت وأنا في رواق القاعة كيف رمى بي طليقي أمام دار أهلي، وانهال علي الجميع باللوم والشتائم لأني لم أحسن الحفاظ على بيتي وزوجي، عاملني الجميع على أنني خطيئة، ويجب محوها من الوجود. وبدأ المحو بأخذ جوالي مني، ومنعي من التواصل مع أي صديقة أو الخروج من البيت إلا عند الضرورة القصوى مع مراقبة شديدة من الذي يرافقني، فأنا مطلقة واختلاطي بمن حولي يثير الشبهات، إذ أصبح كل من حولي قديسين ولهم الحق في التحكم بي.." ((المحمداوي، 2021، 12)
تتحدث الرواية إذن عن الصورة الانتقاصية التي يشكلها المجتمع حول المرأة المطلقة، فالبطلة في نظر أخيها/السلطة الذكورية وفي نظر أمها كذلك أقدمت على فعل مستهجن ولابد من غسل هذا العار بالعودة إلى بيت الزوجية حتى وإن كانت مظلومة، "ضربها مهيمن وأخبرها أنها سترجع لطليقها وهذا قرار غير قابل للجدل، لم يمنع أحد أخيها من الإمعان في أذيتها سوى تلك الطفلة تقى وهي تدافع عن عمتها" (المحمداوي، 2021، 18-19) ولا تتجلى السلطة الذكورية في صورة الأخ والزوج/الطليق فحسب، وإنما ينتقل التوصيف إلى المحامي خالد في حد ذاته، والذي يمارس سلطته من خلال تهميش أحلام في سبيل إرضاء نزواته مع ساهرة، تقول إيمان: "وكما أخبرتكم سابقا بأني الراوي العليم بكل شيء، فكل ما قاله خالد هو عبارة عن حجج ومراوغات، كي يبقى مع ساهرة بعد رجوعها والتواصل معها، وقد تمكنت ساهرة من السيطرة على مشاعره من جديد، فضلا عن استفحال الغيرة العمياء وخوفه من ارتباطها بأحد غيره بعد أن لاحظ كثرة متابعيها وتعليقاتهم التي كثيرا ما أثارت المشاكل بينهما، لكنها بارعة في احتوائه، لذا كان يعمد للتواصل الدائم معها على الرغم من انشغاله بالمظاهرات والتنقل بين المحاكم والسجون للإفراج عن الناشطين المعتقلين، يتواصل معها حتى ولو للحظات يباغتها فيها ليطمئن بأنها لا تتواصل مع غيره" (المحمداوي، 2021، 47-48)
ولربما اختيار اسم ساهرة دلالة على ما يحاك من دسائس للوطن في الخفاء، فالمضمر أو المسكوت عنه في هذه الرواية هو المكائد التي تجرى على طاولة الساسة، وما يعانيه العراق من التدخل الأجنبي الذي يسهر على صياغة مصيره وتقويض مرجعياته وزعزعة استقراره، فخالد يمثل رجل القانون وساهرة امرأة لعوب من خارج الوطن، تلعب بمصائر الرجال وتغويهم دون أن يشعر أي أحد منهم بخيانتها له، وهنا السلطة القانونية /خالد تتعرض للإغواء والخديعة من قبل الآخر الأجنبي /ساهرة الذي لا تنام عينه عن تخريب الدول وتسهيل اختراقها ،لكنها ـ أي السلطة القانونية ـ سرعان ما تسترجع شرعيتها وثبوتيتها، فتقصي الآخر من أجل بناء سرديتها الخاصة أو أحلامها المؤجلة ..
تمثل أحلام إذن رمزا للغاية المؤجلة، وللحلم بالحرية وامتلاك سرديتها الخاصة ،ولأن الحلم ومضة خاطفة في سبات الليل، فإن الكاتبة اختارت لبطلتها اسم أحلام لتبين نضال المرأة في ظلمة التهميش والتغييب ،حتى تشكل نصية مغايرة/محايثة بعيدا عن النصية المركزية، تتسم بالتعدد والكثافة، إذ الحلم يغدو أحلاما تشي بصياغات لا نهائية ،تنفلت من سلطة المعايير وسطوة الأحادية والمركزية الخانقة.
إن أحلام/النص المؤجل /الهامش تصوغ عالمها في عالم الافتراض، وكأن بها تهرب من الرقابة الاجتماعية والكتابة المؤسساتية لتشكل خطابا نسويا يعبر عن مأساة الهامش ،ويحاول أن ينتشله من الضياع والتلاشي الذي يفرضه الواقع الحقيقي الخانق ،لذا تصفها "إيمان" التي تعرفت عليها من خلال هذا العالم فتقول: " هي امرأة ذات ثقافة عالية وحس مرهف، عاشقة متفردة، ثائرة صامتة، تناقضات كثيرة تكمن داخلها ،تلك التناقضات التي شرعتها أمامها أبواب القراءة والكتابة، وسط عالم مغلق يحاسبها على أنفاسها التي تتنفسها بحرية" (المحمداوي، 2021، 8).
وعن الرقابة الاجتماعية التي تصدر أحكاما انتقاصية حول المرأة المطلقة، مايجعلها حبيسة الهواجس، تورد الكاتبة قولا لأحلام حينما التقت بخالد في المحكمة أول مرة ،" سمعت تلك المقولة التي ترعبني "أنت امرأة مطلقة وجميلة، وكل رجل يسعى لالتهامك" تنفست الصعداء بعد أن فقدت نظراته التي ألهبت قلبي دون أن أعي سبب الاشتعال بداخلي على الرغم من محاولاتي في مصارعة عما يعتمل في صدري من رغبات متناقضة" (المحمداوي، 2021، 9) فالمجتمع يشكل صورة نمطية للمرأة المطلقة، حيث تصبح رمزا للخطيئة مهما كان سبب طلاقها، وهو ما يتحيز للرؤية المركزية الذكورية التي تجاهر بتهميش المرأة وتعتبرها مجرد لاحق أو كيان خلق لإسعاد الرجل وإشباع ساديته وحبه للتسلط والامتلاك والسيطرة ،تقول الكاتبة: "حين أيقنت من حلمي بالزواج من أحلام أصبح واقعا، كان لابد لي من المواجهة المؤجلة مع أهلي ..أعلم أن زواجي من امرأة مطلقة مهما كانت ميزاتها وحبي لها لن يكون زواجا مقبولا بسهولة، وستبقى في نظر المجتمع امرأة معطوبة" ((المحمداوي، 2021، 28)
السلطة السياسية والمثقف:
تبرز الرواية كذلك صراع المثقف والسلطة السياسية، وكيف تتم تصفية الآخر بالقتل أو الاعتقال، وعدم احترام الاختلاف وطمس المغايرة، فالسلطة تتمسك بأحادية التفكير وتفرض رؤيتها، بل وتحاول إخفاء هشاشتها بتشويه صور المعتقلين وتسويغ العنف المسلط عليهم، ورفض المعارضة حتى وإن تجلت في صور سلمية كالمظاهرات، تقول الكاتبة : "فضلا عن الأزمات التي تمر بالبلاد من مظاهرات واعتقالات وقتل لبعض المتظاهرين، فقد عمت حالات الحزن والترقب أغلب المدن العراقية، وتطوع خالد كغيره من المحامين للدفاع عن المعتقلين من المتظاهرين،وقد أخذ هذا الدفاع كثيرا من وقته" (46-47). تهمش السلطة إذن صوت المغايرة،ولا تعترف بالاختلاف، بل وتسوغ رؤيتها الإقصائية من خلال استخدام الوصاية الفكرية "كأداة ومبرر في ذات الوقت لتطبيق العقوبات وإنزال أقصاها بحق المخالفين لقوانينها وأعرافها. وفي حيثيات هذه النقطة بالذات نقول: أنه كلما كانت الوصاية الفكرية متماهية مع مبدأ الغموض واللاعقلانية والمصلحة الآنية الشخصية والنفعية الذاتية ومرتبطة بغرائز عاطفية ومنافع سياسية أو اقتصادية أو شهوة نفسية وتستقي مبرراتها ومقوماتها الفكرية من منبع أحادي، كلما كان الظلم والاضطهاد والخطأ متزايدين باطراد معها" (يوسف، 2008، 167).
خالد وسيف وكل الناشطين السياسيين الثوريين /العضويين يتخلون عن نخبويتهم ونرجسيتهم وخطاباتهم النظرية في سبيل الصالح العام، وهذا ما يسبب تهديدا صريحا للسلطة، "فالعلاقة بين الطرفين هي علاقة تعارض أو تضاد في كثير من الأحوال،وهي علاقة تداخل أو ارتباط في كل الأحوال ، رجل السلطة يجد في نفسه دائما قائدا للأوركسترا الاجتماعي بكامله .والمثقف .. الذي يقول به غرامشي لا يرى في نفسه أقل من رائد من رواد التغيير الاجتماعي. يزيد في دوره أو ديمومته وقيمته أحيانا على رجل السلطة أو رجل السياسة العملية الذي يحاول أن يغتصب لنفسه وبحكم موقعه في السلطة وبوسائلها حق احتكار الزيادة والقيادة وتوجيه الحاضر، والمستقبل" (مرتضى، 2016، 34) ، خالد أيضا يمثل ذلك المثقف الثوري الذي يعاني من الازدواجية، فيجابه السلطة السياسية ويلبس قناع الفضيلة في الوقت الذي يخضع لمغريات الآخر/ الغرب الذي يخترق زمنه ويهدد كينونته وهويته، ويشتت اعتباراته، ويخدع شعوبا كثيرة في الوقت ذاته بوعود الديمقراطية الكاذبة ومزاعم الرفاه، لينهي الغيرية/ ساهرة التي تحاول تقويض سرديته بالعودة إلى أحلام.
لقد صورت الكاتبة ما يتعرض له المثقف الثوري /المناضل من عنف جسدي ولفظي، ومن ترهيب وتهديد كذلك من قبل جماعات تحمل تفكيرا إقصائيا وتحتكر الحقيقة وتعتد بمركزيتها، وتشير إلى حدث مفصلي تمثل في تفشي فيروس كورونا الذي أجج هذه العلاقات المتعارضة والمتوترة، إذ بتراجع الناشطين ظهرت سلطة مضادة وخطاب تكفيري يدعو إلى تصفية الآخر، تقول: "تلاشت تلك الأمواج الهادرة من الأصوات في ساحة التحرير، بعد تفشي فايروس كورونا ، وبسط ظلال الغادرين الشاحبة إذ تراصفوا بين واش ونمام خلف جماعات مسلحة تراقصت على الدماء، ومع كثرة الاغتيالات والخطف والتعذيب والترهيب أدت إلى هجرة أو اختباء أغلب الناشطين المعروفين الأحياء، حتى أن سيف بعد تلقيه تلك الأوراق المدعوكة المرماة في سيارته، أو عبر بوابة الدار الخارجية، التي تحمل تلك الكلمات الجارحة مع التهديد والوعيد، مما دعاه إلى الانتقال إلى أربيل والعمل هناك حفاظا على حياته" (المحمداوي، 2021، 113)
مركزية الأنا الكاتبة داخل النص:
تقول ايمان: " ربما تستغربون وأنتم تقرؤون هذه التفاصيل الدقيقة في حياة أحلام ولابد من تبرير هذا الاستغراب فأنا (إيمان) الراوي العليم بكل شيء فقد عشت تلك اللحظات مع أحلام وشعورها باقتراب الجدران منها حتى كادت تنطبق عليها.." (المحمداوي، 2021، 33)
لماذا تصر الكاتبة على تأكيد ذاتها وذكر اسمها كمالكة للنص في كل مرة؟ حتى في مجموعتها القصصية قرابين ايرشيكال؟ لماذا تقدم نفسها وتحاول تسويغ إيرادها لتفاصيل دقيقة عن حياة أحلام؟ هل هذه الرواية استحضار لوقائع معاشة من قبل إحدى معارفها المقربين، ما يعطيها تسويغا لدفع التلفيق؟ أم أنها نقل لتفاصيل عاشتها الروائية أو عاينتها معاينة مباشرة، ما يجعل الرواية تتجه نحو السيرة الذاتية أو الحكي الذاكراتي، ولا سيما أن البعض يعتبر أن "القصة الجيدة هي تلك التي تم بذل الجهد لجعلها تنقل حقيقة ما. وهي توجه هذه الحقيقة للجمهور الواسع وليس لكاتبها فقط. وهكذا يكون لذاكرة الفرد، وقد تم تغليفها في سيرة ذاتية أو في رواية على شكل سيرة ذاتية، معنى عام وشامل" (ورنوك، 2007، 7). وقد أطلق النقاد على هذه الخاصية التي اتسمت بها النصوص الروائية المعاصرة "تذويت الكتابة " ومعناه "حرص الروائي على إضفاء سمات ذاتية على كتابته، وذلك من خلال ربط النص بالحياة والتجربة الشخصيتين، وجعل صوت الذات الكاتبة حاضرا بين الأصوات الروائية لتمييز محتوى النص عن الخطابات الأخرى التي تعطي الأسبقية للقيم والأفكار الغيرية ... وعندما تتناول موضوعات تستوحي واقع المجتمع وأسئلته، فإن الروائي الجديد يعمد إلى تذويت السرد وتعديد الأصوات واللغات، ما يجعل الكتابة ملتصقة بذوات الشخوص والمتكلمين داخل الرواية" (برادة، 2011، 67).لربما للأمر علاقة باستعارة شخصية أحلام من متن روائي آخر، وهو "ذاكرة الجسد"، فكأن بالكاتبة تؤكد على مركزيتها الأنوية، إذ تمارس سلطتها القرائية على السردية الأولى، وتورد إنجازية مغايرة تتحكم في تفاصيلها وتتحدى مسافات الصمت والغياب في النص الأول، فالقراءة التأويلية هنا ليست استذكارًا، وإنما تصبح تجاوزًا واختلاقًا يجاهر باستثنائيته وكينونته الخاصة، والأنوية وإيراد اسم إيمان بين قوسين يعززان هذه الرؤية .
في الأخير يمكن القول أن رواية "امرأة في عيون نزقة" قدمت لنا واقعا حكائيا متشعبا، إذ أوردت الكاتبة تفاصيل عديدة عن تحولات المجتمع العراقي السياسية والاجتماعية، ما جعل الرواية تبدو وكأنها تأريخ لكنه يتعالى على الرصد المباشر والتسجيلية، فالتزامل تحدى منطق الأحادية، وأسهم في مغادرة الدلالة الثابتة أو الوقوف على تيمة محددة، ليفسح المجال واسعا للقارئ حتى يشكل قراءاته حتى وإن ظل حائرا بين زوايا القراءة .
References
8.Mary Warnock, Memory in Philosophy and Literature, translated by Falah Rahim, New United Book House, Beirut/Lebanon, 1st edition, 2007.
8.Mary Warnock, Memory in Philosophy and Literature, translated by Falah Rahim, New United Book House, Beirut/Lebanon, 1st edition, 2007.
9. Abu Al-Maati Khairi Al-Ramadi, Text Thresholds and Their Implications in the Contemporary Arabic Novel, Maqaleed Journal, Issue 7, December 2014, University of Ouargla/Algeria, p. 300
| عدد المشاهدات للمقالة | 347 |
| تنزیل PDF | 327 |